|
النشر التشكيلي في السودان
حقائق ووقائع , أسئلة ومقترحات
علاء الدين الجزولى
توطئة : رد الفرع الى أصوله التاريخية :
لعل رغبة الإنسان وغريزته الفطرية السوية في التواصل وفي امتلاك المعرفة وتداولها مع الآخرين هي الباعث الأول لفكرة النشر، ومنذ أن وعي إنسان المجتمع البدائي أهمية رسم رؤاه وتدوين أفكاره على الحجارة والعظام والجلود وعلى جسده وغيره ، سواء كان ذلك بدافع السحر والمعتقدات أو بدافع غامض، قادة للتفكير في حياة أخرى أبدية بعد الممات أو لرغبة منه في خلود – مستحيل – لا يتحقق لجسده بل يتحقق مجازاً لروحه التي ينتفع أخلافه مما خلفت من أثر وآثار تحمل
في ثناياها وفي تراكيب تعبيرها الفني البدائي، قصة حياته، أحلامه ومخاوفه، ولعل حجارة تلك الآثار وتلك المومياءات التي أثبتت ديمومتها وقدرتها على البقاء وعلى مر العصور هي التي تقودنا – دائماً – للإعتقاد بأنَّ الإنسان – في التاريخ القديم – كانت تراوده فكرة الخلود، وما خلفه من أثر ما هو إلا محاولة لذلك ولتحقيق الذات وبلا منتهى، وماهو إلا تعبير عن هذه الفكرة، أي رغبته في ألاّ يموت والتي تصل إلى ما يمكن وصفه بغريزة الخلود وماهو
إلا شكل من أشكال التعبير عن صراعه الأزلي مع الموت وحقيقته الحتمية ونجده للانتصار عليه يسعى لتمديد حياته، ولعلنا نجد في فعل تحنيط الرفاة (المومياء) أبلغ محاولاته الدالة على ذلك . ولعله من هذا الصراع ومن التعلق بالحياة نشأت رغبة الأسلاف في الاتصال مع المستقبل واستشرافه وعبر الآخرين، ونشـأت الرغبة في نشر أفكاره ورؤاه ومعتقداته… الخ . وما الخلود – في تقديري – سوى نشر التراث والحفاظ عليه ، وما التوثيق سوى فعل النشر القادر على
البقاء.
وفي البدء كان الصوت وفى البدء كان الكلمة كأول وسيلة للتعبير والتخاطب مع الآخر وفي محيط الجماعة، ولعل هذا شكل البدايات الأولى لفعل التواصل وعلى ما أُصطلح على تسميته حديثاً بالنشر والإعلام والاتصالات وفي مراحل متقدمة من أطوار حياة الإنسان.
وفي البدء كان الحجر – ولعله ما يزال – هو الوسيلة الأفضل للنشر ولحفظ وتوثيق إنجازات البشرية والأكثر قدرة على البقاء . ومما لا جدال حوله أن الطاقة الإبداعية الخلاقة لأولئك الصناع المهرة والفنانون – الذين كانت تفوح منهم روائح المواد النتنة وتدمي أياديهم من طول العمل الشاق – المُغَيبون في ذاكرة التاريخ والضائعون في تلافيف الحضارات وتفاصيل صراعاتها وحروبها وخلف سير القياصرة والأباطرة والملوك والحكام والذين لا نعرف عن إسهاماتهم وأدوارهم
التي لعبوها في قيام المدنيات وبناء الحضارات إلا النذر اليسير منها وفي بعض حقب التاريخ وبعض الحضارات وذلك قياساً بالإنجازات الفنية المادية الهائلة التي خلفوها وراءهم وشكَّلت تراثاً إنسانياً خالداً ما بين قارةٍ وأخرى، هي العامل الأساسي والأهم الذي ساعد على تسجيل أحداث التاريخ بواسطة الفن وعلى نشر الأفكار والقيم الجمالية والأخلاقية والحفاظ على ذاكرات الشعوب والمجتمعات وذاكرة التاريخ الإنساني.
"ويرجع الفضل فيما توصلت إليه البشرية من إنجازات حضارية طيلة مسيرة تاريخها الطويل إلى خاصية واحدة يتمتع بها العقل البشري، ألا وهي خاصية الإبداع" ([1]). فبهذه الإنجازات (الخلاقة) قامت / وتقوم الحضارة التي يشكل الفن (الأصيل) أعلى ذروة من ذراها وبها تخلد الإنسانية، ويخلد المبدعون والإنسان، بفضلها، وليس بفضل
تحنيط رفاته. لقد كان ولا يزال للفن دور عظيم في حياة الشعوب والمجتمعات، ولقد كان ولا يزال الفن، أداة هامة من أدوات تشكيل الوعي الاجتماعي الخلاق، وفي ذات الوقت . أداة خطيرة للتأثير سلباً وللسيطرة على المجتمعات بواسطة الفن ولعل السبب في عداء بعض الأنظمة الشمولية للفن والإبداع - وبجانب ضعف الاستنارة الذي تعاني منه – يرجع لافتقارها لكوادر مؤثرة في مجال الفن وموالية لها ومن إفتقادها لولاء الفنانين (الحقيقيين) الذين يتمتعون
بخاصية الإبداع ونجدهم لا يتسقون نفسياً –وعلى الأقل– مع نزعتها المعادية لحرية الفكر والتعبير كما يرجع لإحساسها ومعرفتها بخطورة دورهم الذي يتعارض مع طبيعتها الاستبدادية . ولذلك نجد أن منهجها في الحكم والفاقد لقوة الفن الناعمة الساحرة وسلطان تأثيرها على الشعوب، يلجأ وبأشكال مختلفة لقوة السيطرة أو لسيطرة القوة التي تتصف بالخشونة والقسوة كتعويض لدور الفن والتي تكون في الغالب تحت مظلة دعاوى ومبادئ وأفكار نبيلة . وهذا ما يُفسر
أحد أهم أسباب الأزمات والأزمة الثقافية بوجه خاص، كما في تجربة نظام الحكم –الحالي– في السودان الداعي إلى قيام نهضة ويَدَّعَي بناء مشروع حضاري بمنهج سيطرة القوة وقوة السيطرة، وليس بقوة الفن (قوة دفعه الجمالية، الروحية، الأخلاقية، الحضارية) ولا ببقية القوى المحركة للوعي الإجتماعي.
ولعل أكثر الحقب أهمية في تاريخ الفن والمجتمعات الإنسانية وفيما يتعلق ببروز وظهور الفنان المستقل بإرادته وأفكاره ومشروعه الفني والمتحرر من قيود وإملاءات الكهنة والحكام وشروطهم المتعسفة وبروز دور الفن - كقوة مبدعة - وتجلي وظيفته المعرفية والثقافية الهادفة لتحقيق النمو والتقدم الإجتماعي وفي أبهى صورها، ترجع إلى فترة ما يسمى بعصر النهضة الأوربية الثاني ، في القرون "الرابع عشر، الخامس عشر، السادس عشر" والتي نجد أنَّ أكثر ما يميزها عن
غيرها، التحرر من كافة القيود التي كانت تعيق طاقات الإنسان الخلاقة وتمنع تفجرها وتكبح جماح الفنان "المبدع" وحريته في التعبير الفني، فعلى كلٍ ومهما اختلفت الظروف المحيطة بالفنان ومهما كانت الدوافع والأسباب التي قادته للتفكير في رسم رؤاه وتدوين أفكاره ، فإن رغبته في الرسم والتدوين التي تستبطن ميلاً مبهماً وغامضاً للتخاطب والتواصل مع الآخرين ، ظلت ملازمة للكائن البشري وعلى مر أطوار تاريخه الطويل المليء بالأحداث والتقلبات التي
عصفت بكثير من الحاجات والرغبات والميول وكذا – مختلف – أنماط السلوك ما عدا رغبته الغريزية في تحقيق ذاته وتخليدها وحاجته للتخاطب والتواصل وتداول أفكاره مع الآخرين والتي نسميها حديثاً، ونطلق عليها مصطلحي "النشر" و "التوثيق" الدالان على فعلين متلازمين متشابكين، فكثير من الرؤى والنظرات والأفكار القديمة التي تم رسمها وتدوينها بالكتابة لم تكن بدافع التوثيق وبالمفهوم الذي نعيه الآن، كما لم يكن الرسم والتدوين نشراً ذو فعالية كبيرة
وحسب ما هو معروف لدينا الآن . قبل اختراع (جوتنمبرج) للمطبعة في وقبل إبتكار (سوزوكي هارونوبو) لتكنيك الطبع بالألوان المعروف بمحفورات أوكييو (UKIYO) الخشبية اليابانية في نهاية القرن الثامن عشر.
إنَّ المعنى الحقيقي لمفهوم النشر وعلى مستوى النص والرسم والصورة – وعلى نطاق واسع – قد تحقق بعد ظهور تقنية الطباعة وبعد ظهور المطبعة، وأخذ يتزايد باضطراد وبوتائر أكبر بعد الإضافات التي لحقت بآلة الطباعة وتقنياتها خاصة بعد إكتشاف (سينيفيلدر) للطباعة التصويرية (طباعة الأوفست التى أدت بالتالي إلى زيادة قدرتها الإنتاجية، وبعد الإختراعات والإكتشافات والوسائل الجديدة التي تلت ذلك – وعلى مدى خمس قرون – وأخذت في الظهور بشكل مؤثر وفعال
وأهمها: آلة الكاميرا، وآلة العرض السينمائي، وجهاز التلفزيون، ويضاف إليها مؤخراً أجهزة الكمبيوتر والإتصالات، والبث المباشر عبر الأقمار الصناعية، مما ضاعف من وتيرة النشر وزاد معدل المتلقين المستفيدين منه وبشكل لم يسبق له مثيل .
لقد درجت العادة في تقليد الكتابة المنهجية وإعداد الأوراق والأبحاث العلمية على الإستهلال بمدخل تاريخي في ذلك النوع من الكتابة، ولكن في ورقة كهذه وفي موضوع "النشر التشكيلي في السودان" لعله من المفيد أن يتضمن مدخلنا الإشارة لبعض الملاحظات المهمة المكثفة لمعاني ودلالات تتعلق بأهمية الإنتاج الفني التشكيلي ودور العمل الفني كوسيط ناقل ومسجل للمعرفة والخبرة والفكر الإنساني – عموماً – ولقيم الجمال الفني منذ ما يُعرف بعصور ما قبل التاريخ
ومجتمعات الإنسان البدائي ولعله ما يزال يلعب نفس الدور إلى الآن ورغم مضي حوالي ثلاثون ألف سنة – تزيد أو تقل – من تاريخ تنفيذ ما يُعرف برسومات الكهوف التي تعتبر أكثر النماذج والأنواع الفنية عراقةً في تاريخ الفن التشكيلي وتاريخ الفن بوجه عام، ومن أكثرها اكتمالاً في تكويناتها الفنية والتي يمكن إعتبارها في ذات الوقت البدايات الأولى التي سجلت ووثقت – أيضاً – لحياة الإنسان في تلك الأزمنة السحيقة فيما وجد من آثار فنية بقارتي
أفريقيا وأوروبا – على وجه الخصوص – كرسومات كهوف تاسيلي وهضبة الهقار الواقعة بالمنطقة الممتدة من الجزائر وإلى تخوم ليبيا من جهة, وكهوف لاسكو وألتاميرا بكل من فرنسا وأسبانيا من الجهة الأخرى . فالملاحظة الأولى هي: أنَّ النشر بوجه عام وفي بداياته الأولى قد تم بواسطة الأثر التشكيلي، أي أن الأعمال الفنية التشكيلية كانت الأداة الوحيدة الممكنة للتعبير والنشر المكاني ولإيصال المعلومة وتبليغ الناس بفكرةٍ ما، وكانت الصورة (Image) هي الوسيلة المُثلى الحاملة للمعلومة، ويتم التعبير عنها تشكيلياً على مسند الحجر وفي كتلته على جدران وسقوف الكهوف وبأدوات وأصباغ في غاية البدائية من حيث التقنية، لكنها مع ذلك تميزت بأصالتها كمواد وبمقاومتها لعوامل التعرية وقدرتها في إحداث أثر – خالد – اكتسب قدراً كبيراً من أسباب بقائه وديمومته من أصالة مادة الحجر كخير مسند وخير
كتلة للتشكيل، فبواسطة ذلك نشر الأسلاف - الأولون – أفكارهم ومعتقداتهم، رؤاهم وأحلامهم ومخاوفهم وبواسطته تعرفنا على تاريخ حياة المجتمعات البدائية في عصور ما قبل التاريخ وتعرفنا كذلك على جغرافيا الأوساط البيئية التي عاش فيها إنسانها، أما الملاحظة الثانية يمكن استخلاصها من سابقتها وهي أنَّ النشر حين نحدد مجاله بالنشر التشكيلى , نجد أنَّ نشأته التاريخية وكمجال تم تخصيصه وتحديده هي ذات النشأة التاريخية للنشر بوجه عام.
النشر التشكيلي في السودان، أو المفارقة بين الإمكانات والواقع:
دعونا نتأمل الملاحظتان - الآنفتي الذكر - على ضوء ما نملك نحن (السودانيون "من تراث تشكيلي قديم يتميز بالأصالة وبجماله الفني وعلى قدرٍ وافر الثراء والتنوع وفي مجالاته المختلفة" الرسم، النحت، الخزف، العمارة . . . إلخ) وما نتمتع به من خبرات متوارثة منذ قديم الزمان في مجال الحرف التقليدية، والأشغال اليدوية، والصناعات الصغيرة (كالنحت المصغر، والخزف، والنسيج . . . إلخ) التي تتهددها من كل ناحية مخاطر الطمس والإهمال والزوال، وعلى ضوء ما
يتمتع به الفنانون التشكيليون السودانيون من خبرات متميزة وتجارب متنوعة تتسم بالفرادة والندية . والمواكبة على مستوى التطور الذي بلغه التشكيل المعاصر وحركة الفن الحديث وعلى الصعيدين الإقليمي والعالمي. ولعله يلزمنا – هنا – تقديم بعض شهادات الإثبات لذلك (كتقارير الممتحنين الخارجيين - من البريطانيين - التي تشيد بمستوى أعمال – الدبلوما – لطلاب كلية الفنون الجميلة في فترتي الستينات والسبعينات، والجوائز العديدة التي نالها بعض
الفنانين التشكيليين السودانيين – من مختلف الأجيال – في المشاركات الإقليمية والعالمية والتي لا نستثنى منها مشاركات وجوائز أطفال السودان العديدة والملفتة للنظر وعلى المستويين الإقليمي والعالمي .
ولنتأمل مآل هذه الطاقات الحيوية الخلاقة وهذه الإمكانات المهُدرة التي لم تول العناية اللازمة والإهتمام اللائق ولم نحسن إستثمارها لصالح إثراء الثقافة السودانية ولصالح التنمية الروحية والأخلاقية للمجتمع وتشكيل وجدانٍ مشترك لإنسانه الذي يتحدث بأكثر من مائة لغة وتستقطبه بِحِّدة لغة واحدة، هي لغة الثقافة السائدة ويتزيأ – مُرغماً – برداء فوقي للوحدة الوطنية الظاهرية، لكن روحه – ومن تحت ذلك الغطاء السياسي تهفو لهمس لغة الأم ويتجاذبها
الإشتياق لثقافة هويتها ومن ثم تتنازع بين رغبتها في ألا يخبو وميض تكوينها الثقافي العميق وبين واقع شروط الثقافة السائدة، ويظل إحتمال تكوين الوجدان المشترك حلماً مرتقباً لا تعادله كل أردية الوحدة الفوقية السياسية، المسماة بالوحدة الوطنية وما شابه ذلك، ففي تقديري أنَّ بناء صرح هذه الوحدة الوطنية التي ظللنا نحلم بها ونزعم قيامها – من حين لآخر – ومنذ قيام الإستقلال عام 1956م، لن يتم تحقيقه فعلياً بغير أساسه الثقافي والوجداني
الذي يتعذر تشكيله – كقيمة للترابط الروحي – بقرار فوقي من النخب السياسية وبالإعتماد كلياً على لغة ثقافةٍ واحدة وبواسطة ثقافة اللغة وحدها الأدب، الخطابة، الشعر، الغناء . . . وما شابه ذلك) وهنا تبرز أهمية الثقافة والمعرفة الجمالية التشكيلية، ويتعاظم دورها في خلق ذائقة جمالية معافاة وفي تنمية الحس والذوق الجمالي العام وخلق وجدان زاهر مشترك للإنسان السوداني، فللمعرفة والثقافة التشكيلية ما للموسيقى الصرفة من قابلية الإستجابة
والإستيعاب السريع لدى المتلقي، ومن قدرة على شفاء الأرواح من سقمها وعلى إستمالة الأفئدة ودخول القلوب وخلق الإلفة وتيسير التواصل بين بني البشر وبلا معيق أو وسيط وبلا مترجم أو رقيب، ويكفينا للتدليل على حيوية وثراء حركتنا التشكيلية المعاصرة في السودان أنها قدمت للفكر والثقافة السودانية (ولغايات نشر المعرفة الجمالية) ثلاث بيانات فنية هامة وفي أقل من ثلاث عقود من الزمان وهي:-
1- البيان الكرستالي، وتاريخ صدوره 21 / 6 / 1976.
2- بيان مدرسة الواحد، وتاريخ صدوره .
3- بيان الحديقة التشكيلية، وتاريخ صدوره 3/ 10/ 2001.
النشر التشكيلي ما بين قصور المفهوم وتقصير السلطة الرسمية:
إنَّ جملة من الأفكار المبدعة ومن المقومات والمعطيات المبشرة التي تتوفر لمستقبل الحركة التشكيلية المعاصرة في بلادنا وأنّ كماً ضخماً من المقدرات والثروات الفنية المادية ومن الخبرات الفنية وكنوزاً – وطنية – حية من الفنانين المتميزين، تشكل رصيداً من الثروة – الإجمالية – للثقافة التشكيلية في السودان وتؤهلها لكي تلعب دوراً كبيراً في حياة الناس وللإسهام الجمالي الخلاق في قيام نهضة ثقافية شاملة، لا يخفي وضوح رؤيتها لك ذي بصرٍ ثاقب وكل ذي
بصيرة نفاذة، ولكنها رهن احتمال مؤجل وقيد جملة من الأسباب – الطارئة – التي تعيق تحقيق هذا الحلم الذي يراودنا وتفتقر له حياتنا التي تعاني – الآن – من تدني الذوق الجمالي العام ومن لامبالتنا تجاه فوضى الأمكنة وظلام القبح الذي استشرى وطغى على كل عين ولا سبيل لانقشاعه بغير إيقاد جذوة الوعي الجمالي الخلاق التي تبدأ بتثوير فهمنا للنشر وتطوير مفهومه بحيث يشمل (اللوحة، التمثال، البيت، المسجد، الكوب، السور، الصحيفة، السينما، الحذاء،
المتحف، الشارع، البث المرئي، الكتاب، الحديقة ، السوق ، المدرسة ، والإعلان . . . إلخ) وبحيث لا يقتصر فقط على نشر فنون العرض في صالة (الغاليري) المحدودة التأثير، وهذا بجانب نشر الأدب التشكيلي، باعتبار أنَّ النشر بنوعيه (الإنتاج الفني والمادي) في مختلف تجليات التصميم التشكيلي و(الأدب التشكيلي) بأنواعه المختلفة، ما هو إلا وسيلة تقودنا إلى النشر الأهم، ألا وهو (نشر قيم الجمال الفني) وهذا إن كنا نروم تحقيق الوعي الإجتماعي
الجمالي الخلاق وإن كنا نصبو لتحقيق التنمية الإجتماعية التي لا سبيل إليها بغير الإستثمار المبدع لجملة المعطيات والمقومات الآنفة الذكر والتي حين نتأملها ونحن نتدارس قضايا النشر والتوثيق التشكيلي في بلادنا وما يعتريهما من ضعفٍ وغياب يفضي بنا الأمر – ومن الوهلة الأولى – لا لشيء سوى إطلاق صرخة ما هذا ؟ ما دهانا ؟ وكمن يفيق بعد غيبوبة طويلة ليجد نفسه ماثلاً أمام كارثة محدقة أو حقيقة محزنة طرأت أثناء غيبوبته وتبينها بعد أن أفاق
منها . وما الغيبوبة الطويلة سوى ضعف الحس الجمالي وفقدان الذاكرة (البصرية، المعرفية، الثقافية، التاريخية) والتي نجمت عنها حالة من الخمول الذهني والشلل الفكري وتوابعها من الصفات والظواهر الإجتماعية السالبة كالتلكؤ والكسل واللامبالاة والفوضى وفقدان الثقة في النفس وفي ما أصاب الناس، فضلوا الطريق وغابت الأهداف والغايات بعد شح الموارد والمصادر والينابيع بسبب الأعطاب المتعمدة وغير المتعمدة وبسبب الإهمال الذي لحق بكيان المؤسسة
الثقافية الرسمية الفاقدة لأهم بنياتها الأساسية والفاقدة بالتالي للدور الحقيقي المفترض أن تلعبه والذي أدى إلى ركود الحركة الثقافية والى إختناق الحركة التشكيلية بوجه خاص . وما حركة المعارض النشطة التي إنتظمت/ وتنتظم بعض صالات العرض في الخرطوم في السنوات الأخيرة وبجهود الفنانين الذاتية ومن يعينهم من أصدقاء ونصراء للفن – وعلى قلتهم – والتي أشاد بها أكثر من مراقب مهتم وأكثر من مسئول رسمي، ليست بجديدة وماهى إلا محاولات متكررة
لفض هذا الإختناق الثقافي وخير دليل على قصور المؤسسة الثقافية تجاه هذه الحركة التي ((ليس لها عليها أي مِّنة)) كما عبر – معترفاً بذلك – وزير الثقافة الحالي([2]) .
وفي حديث له عن نشاط الحركة الثقافية بوجه عام والذي إنتظم – في الآونة الخيرة – مراكز العاصمة المثلثة ومنتدياتها الثقافية، كما هو خير دليل على ضعف دورها الأساسي في دعم وتشجيع العمل الثقافي أياً كان نوعه، ونجد أنَّ أهمه يتمثل في غياب بنياتها الأساسية ومشاريعها الثقافية الكبرى التي يتفق حولها غالبية المثقفين السودانيين وتلبي الإحتياجات الثقافية الحقيقية للمتلقي السوداني في مجال الثقافة، وتقع عليها مسئولية إنشائها، بيد أنَّ الدولة
بسياساتها المالية التي لا تعير – في ميزانيتها العامة – أدنى إهتمام للثقافة والثقافة البصرية التشكيلية على وجه الخصوص ونجدها بذلك قد أدت إلى تقليص الدور الحقيقي لوزير الثقافة ومعاونيه وقَصرتهُ على تشريف الإحتفالات وقص الشريط التقليدي وإلقاء الخطب، بينما تظل مهامه الأساسية مُهملة أو (مَتَقْلَه)([3])
ويظل إنجاز ما لم يُهمل منها، التزاماً لا يتعد حيز المنابر وحبر الورق أو يبقى وعداً مؤجلاً . وتظل مهمة التمويل للمشاريع الثقافية الكبرى – واجباً مُعلقاً – على عاتق الدولة ومؤسساتها الثقافية الرسمية. بجانب هذا يبقى أيضاً دورها في دعم ورعاية وتشجيع النشاط الثقافي ومشاريعه الصُغرى، ولكنَّنا – وللأسف – نجد أنَّ هذه المسئولية وهذا الدور قد لازمهما – ومنذ سنوات – الضعف والغياب والإضمحلال والإهمال المتعمد على نحو مأكده أحد رموز
السلطة الرسمية الثقافية ((لقد أهملت الإنقاذ ملف الثقافة))[4] فكان الإهمال ومن ثم الإهدار . إذ نجد أنَّ بعض المشاريع التي سيرد ذكرها لاحقاً ظلت طي الورق – لسنوات – ولم يُشرع في تنفيذها ! وأنّ بعضها قد بدأ العمل فيه وتوقف ! وأنَّ معظمها عبارة عن مشاريعنا ومؤسساتنا الثقافية القديمة المكتملة البناء
لكنها لم تلق الحفظ والصون بل أصابها الإهمال المتعمد وطالتها محاولات التجفيف والإزالة وبعضها قد باد فعلاً وإندثر، أو كاد، أو أنه آيلُُ للسقوط وهذا على أحسن وصف، وكما هو معلوم لدى الجميع، ونكتفي هنا بذكر بعضاً منها وعلى سبيل المثال :
- متحف الفن التشكيلي السوداني المعاصر الذي ظل حُلماً يراود التشكيليين ومنذ سنوات طويلة.
- المباني الجديدة لكلية الفنون الجميلة والتطبيقية التي ما أن تخصص لها قطعة أرض لإنشاء مبانيها الجديدة، تُنزع منها وتُمنح لجهةٍ أخرى وتعوض – بدلاً عنها – بقطعة أرض أخرى . وهكذا استمر الحال لأكثر من ثلاث مرات وعلى مدى حوالي ثلاث عقود من الزمان.
- مبنى مركز ثقافة الطفل الذي لم يكتمل تأسيسه وتجده يقف مشلول الإرادة وفاقداً لدوره الحقيقي بسبب غياب الرعاية اللازمة من الدولة رغم طموح العاملين -فيه - الذي يعيقه فقر الموارد وضعف التمويل (تم إنشائه في فترة الإنقاذ) .
- مركز الفن التشكيلي، الذي وضعت مشروعه لجنة تمخضت عن اجتماع خمسون فناناً لكنها – الآن – لا تعرف أين ذهب مال إنشائه الذي تبرعت به للمشروع جهة أجنبية خليجية (في فترة الإنقاذ).
- مركز الفنون (ART CENTRE) الذي كان من المفترض إنشائه بجامعة الخرطوم بمنحه مقدمة من اليونسكو مشروطة بمدى وجدول زمني لخطوات التنفيذ. لكن فكرة إقامة مثل هذا المركز لاقت رفضاً متعنتاً تسبب في الإخلال بشرط الإلتزام بالزمن مما ترتب عليه سحبت المنحة (في فترة الديمقراطية الثالثة).
- غاليري المجلس القومي لرعاية الآداب والفنون الذي تحول إلى مكتب لأمين المجلس المسئول عن رعاية الفنون ! والذي بدلاً من أن يسعى في إيجاد الحلول لضائقة النشر (عن طريق المعارض وتوفير صالات عرض أخرى) نجده قد قام بتعطيل صالة عرضنا الوطنية الوحيدة (في فترة الإنقاذ).
- صالة المعارض بأبو جنزير وبدلاً عن تحسين مبانيها وتطوير أدائها بنفس المكان أو في مكان آخر. أزيلت تماماً من الوجود (في فترة مايو).
- أسواق الحرفيين بأم درمان (كالإزالة التى تمت لسوق النساء لصناعة وبيع الطواقي، وسوق الرجال للمصنوعات الجلدية الشعبية) (في فترة مايو).
- حدائق الحيوانات بالخرطوم، والإزالة التي تمت لمبانيها وأشجارها بلا مبرر مقبول وقبل أيجاد مكان بديل لها ولحيواناتها بالخرطوم (في فترة الإنقاذ).
- الجامع الكبير بسوق أم درمان، تمت إزالته تماماً وأعيد بطراز معماري مختلف وأقل جمالاً (في فترة الإنقاذ).
- ضريح (بر أبو البتول) بأم درمان، تمت إزالته تماماً من الوجود (في فترة مايو).
- سينما الخرطوم غرب، الإزالة التامة لمبناها بعد تعطيل نشاطها وإهمالها لسنوات (فترة الإنقاذ ) .
- مؤسسة الدولة للسـينما والإنتاج السـينمائي اللتان انحسر وتردى نشاطهما وبشكل لم يسبق له مثيل (في فترة الإنقاذ).
- دار النشر التربوي ومركز التوثيق التربوي اللذان أصابهما الإهمال والخراب وفقدا كوادرهما المدربة وخبراتها العالية، وكلنا يعلم بالحريق الذي قضى على وثائقها ولمرتين متتاليين (فى فترة الديقراطية الثالثة) .
- أرشيف الصور لوزارة الثقافة الذي تعرض الى حريق قضى على كل الصور التاريخية الخاصة بمدينة أم درمان (في فترة مايو).
- دار جامعة الخرطوم للطباعة والنشر والتأليف التي فقدت كوادرها الفنية المدربة وتقلص كثيراً معدل إصداراتها (في فترة الإنقاذ).
- مجلة (تشكيل) التي وضعت دراسة كاملة لمشروعها ويزمع إصدارها الاتحاد العام للفنانين التشكيليين السودانيين فأعاق صدورها ضعف ميزانية الاتحاد التي لا تسمح بتسديد مبلغ 1.300.000 (مليون وثلاثمائة الف) دينار سودانى إشترطه لمنح التصديق على إصدارها مجلس الصحافة والمطبوعات (في فترة الإنقاذ).
وهذه الأمثلة بعضها كان قائماً وبعضها ما يزال ولكنه فقد قدراً كبيراً من فعاليته ودوره في نشر المعرفة والثقافة التشكيلية على وجه الخصوص وبعضها كانت مشاريعاً تحت التكوين وقيد التنفيذ، لكنها لم تر النور، وسنتناول – في هذه الورقة – جانباً منها وبشيء من التفصيل وفي موضع لاحق، ومما يلفت النظر أن هذه الصورة القاتمة لواقع النشر المعرفي الثقافي والتشكيلي منه على وجه الخصوص، لا تجد من يجهر بوقوفه وراءها، والتي تدعونا لطرح بعض الأسئلة المشروعة
والمفعمة بانفعالات الحيرة والإستغراب الغاضب عن الأسباب الظاهرية والخفية التي تحول دون بقاء واستمرار مشاريعنا الثقافية، وعن الجهة المسئولة عن حالة الركود والإنحطاط الثقافي التي انتظمت حياتنا في السنوات الأخيرة وعن مظاهر البؤس والإظلام اللذان يكتنفان بانوراما المشهد البصري التشكيلي في تجلياته المختلفة، بدءاً من إيقاف حليب حصة الفنون لأطفال المدارس وانتهاءً بقبح الأمكنة وفوضاها التشكيلية (السافرة) في كل فضاءات بلادنا، وما
بينهما من ضعف وإضعاف ومن غياب وتغييب للمؤسسات والبنيات الأساسية الكفيلة بنشر المعرفة التشكيلية والوعي الجمالي وبوتأئر أكبر وعلى نطاق واسعٍ، هل تُعزي هذه الحالة إلى أسباب الأمية الثقافية التشكيلية التي يُعاني منها الأكاديمي والمثقف والسياسي السوداني ؟ أم إلى طبع البداوة المتأصل فينا والمناقض للتنظيم والإستقرار والإحساس بقيمة المكان وفي غير ما هو كلأ ومرعى وإحتطاب؟ أم إلى تأثير سلطة العقلية العقائدية السياسية المنفصلة روحياً
عن أصلنا الحضاري السوداني القديم والتي تتوجس من الفن بوجه عام وتستشعر من الفن التشكيلي - بالذات - خطراً عليها لكنها لا تجرؤ على الجهر بإعلان الحرب عليه فتعاديه خفية وبشتى الطرق، خلف حُجب المراوغة وتحت ستار الوعود الملتوية وبث المفاهيم والآراء الخاطئة والمضللة عن عدم جدوى الفنون وامتثالها وتبينها للإعتقاد الإستعمارى القائل بأنَّ (تعليم الفنون في السودان من قبيل الحرث في البحر) كما جاء على لسان أحد موظفي تقويم وتخطيط التعليم
من البريطانيين في فترة ما قبل الاستقلال؟ أم أنَّ هذه الحالة ترجع إلى بعض هذه الأسباب – الآنفة الذكر- أو إليها كلها مجتمعة؟ ولعل الاحتمال الأخير هو الأرجح .
مفهوم النشر التشكيلي ومفهوم الصورة :
من عجائب الأمور – المؤسفة – هذا التناقض الكبير بين الوعي والواقع، والذي نجده يلازم وجودنا في السودان بينما نحن نحيا في عصر نتقاسم فيه مع الآخرين العيش في عالم نجده قد تقلص كثيراً بفضل التقدم التقني، وأصبح قرية كونية، سمتها الرئيسية الأخذ والعطاء والتدفق الهائل للمعلومات وسرعة انتشارها ووصلوها من أي جهة ولأي بقعةٍ في أركان المعمورة عن طريق الإتصال والبث المباشر السريع الذي ساعد - أكثر من ذي قبـل - على التواصـل والتقارب بين سـاكني
هذا (العالم/ القرية) وبواسـطة المعلومة (النصية) والمعلومة (المصورة) أو (الصورة/المعلومة) على وجه الخصوص والتي لأهمية دورها ووظيفتها في نشر الثقافة والمعرفة على نطاق واسع وبوتائر فائقة السرعة إكتسب هذا العصر الجديد اسمه: (عصر الصوره) أو (عصر الإنترنت)، كأسماء دالة على أكثر ما يميزه عن بقية العصور السابقة ولا غرو في ذلك، وكما يقول (والترليبمان) فـ : (للصـورة اليوم، السـطوة ذاتها التي كانت للكلمة (المطبوعة) قبل أعوام، وللكلمة
(المسموعة) قبل عصور).
من المحزن جداً أنَّنا – في السودان – مازلنا محتاجون لتسخير طاقة المدارسة والمفاكرة والقدرة على الإقناع ولبذل جهد كبير – يصل إلى درجة تخصيص مثل هذا السمنار – لكي ندفع بأنفسنا جميعاً للإقتناع بأهمية ذلك، وهذا باعتبار أن قضايا ومشكلات نشر وتوثيق (الصورة /العمل/ الفني) ونشـر وتوثيـق (الأدب التشكيلى) تمثل أحد أهم جوانب الأزمة إن لم يكن أهمها والتي يعاني منها واقع العمل الثقافي الراهن في بلادنا، الذي لا يولي أهميةً (للصورة/ العمل
الفني) وكالتي يوليها للنص، وبسبب مفهومنا الملتبس للنشر التشكيلي، والذي يحتفي بالنص أكثر من الصورة ومن العمل الفني الذي لا تتسع له أوعيته ومواعينه، إذ نجده في تطبيقاته المحدودة، لا يفرد له مكاناً أومساحةً إلا فيما ندر، ولنتأمل صحفنا السودانية وضعف إهتمامها بالصورة كقيمة معلوماتية جمالية في حد ذاتها، وكذا مراكزنا الثقافية السودانية (الرسمية والأهلية) القائمة الآن بولاية الخرطوم على وجه الخصوص (كقاعة الصداقة، قاعة الشارقة،
قاعة الشهيد الزبير محمد صالح، دار جامعة الخرطوم للطباعة والنشر والتوزيع، مكتبة البشير الريح، مركز عبد الكريم ميرغني، مركز عبد المجيد إمام ومنتدى أبناء أم درمان) فنتأمل خلو مبانيها المعمارية من حيزات وظيفية معدة خصيصاً وتستخدم لأغراض الثقافة البصرية، والتي لا نستثنى منها سوى (مركز الدراسات السودانية)، وبعد إنتقاله للخرطوم إذ نجده ابتدأ حماساً للتشكيل أكثر من غيره مما ورد ذكره من مؤسسات . فمن الواضح أنَّ هذه المراكز والقاعات
وغيره . . . وبنوعيها الرسمي و الأهلي وبما فيها مركز الدراسات السودانية ومن التصميم المعماري لمبانيها وتخصيص وظائف حيزاتها الداخلية (غرفها وصالاتها) نستنتج أنَّه لم يكن من بين إهتماماتها الأولى نشر الثقافة البصرية التشكيلية، وفي هذا ما يدل على أنَّ ضعف الإهتمام بهذا النوع من الثقافة ليس وقفاً على الدولة ومؤسساتها الرسمية فحسب بل تشاركها فيه مؤسسات المجتمع المدني وهذا ما يرجح الإعتقاد بأنَّ جذر المشكلة التشكيلية لا يتعلق
بسياسات السلطة الرسمية ومناهجها أو بسياسة سلطة رسمية بعينها أو بمنهجها في الحكم بقدر ما هو يمكن في طبيعة تكوين المثقف والمتعلم السوداني أياً كان تعليمه وثقافته وأياً كان ميوله السياسي واتجاهه الفكري .
فمفهوم النشر التشكيلي – لدينا - أما أن يقصى (الصورة /العمل الفني) تماماً أو يستخدمه في حدودٍ معينة، في حين ينبغي اعتباره، الموضوع والرافد والمكون الأساسي لمهمة النشر التشكيلي وقبل نصوص الأدب التشكيلي التي لا قيمة لوجودها ولا حياة لها بغير الأعمال الفنية والإنتاج الفني التشكيلي الذي هو أصل منشأ هذه النصوص وقوامها الأساسي كما هو سبب ظهورها وهو الأهم في عملية النشر التشكيلي، فلا معنى لنشر نصوص الأدب التشكيلي (من نقد فني، وتاريخ
فن، وسير وتجارب الفنانين، ونشاطاتهم . . . إلخ) والإطلاع عليها وفي غياب الأعمال الفنية والإنتاج الفني وعدم نشره، وكذلك الحال بالنسبة للتوثيق التشكيلي الذي ينبغي أن يعنى بالأعمال الفنية والإنتاج الفني التشكيلي، مثل عنايته بأدب التشكيل، بل بأكثر منه، ولهذا السبب بالذات يشعر التشكيليون بالحاجة الماسة لإقامة صالات العرض وإنشاء متاحف الفن التشكيلي ولإصدار مطبوعات خاصة بالتشكيل، ولهذا السبب بالذات يلحون – كثيراً – في طلبها ويدعون
لإنشائها، ومن هذا نخلص إلى أن مفهوم النشر التشكيلي ينبغي أن يعني – وبتعبير موجز – نشر الصورة (Image) والكلمة، أو الشكل والكلمة، أي نشر التشكيل وأدبه، وبهذا المعنى والفهم يمكن تفادي الفصل بين نوعي النشر التشكيلي المذكوران وتفادي الالتباس الناشئ من علاقتنا بالأدب أكثر من غيره ومن ترجمتنا الحرفية لمصطلح (PUBLICATION) الذي نستخدمه أيضاً بالنسبة للعمل والإنتاج الفني التشكيلي وأدى إلى إحالة فعل النشر إلى مسميات أخرى (عرض) و(ترويج)، وعليه وتفادياً للالتباسات الواقعة والمحتملة وما يترتب عليها من تقديم الأدب التشكيلي وتفضيله على الأعمال التشكيلية، وإعطاء إنطباع بأنَّ أدب التشكيل هو الذي يعاني من أزمة النشر وهو المعنى بذلك، فعليه ينبغي فض
التباس المسميات وتوحيد العمليتان في مسمى واحد هو النشر التشكيلي وللدلالة على نشر التشكيل وأدبه، أي أن نوعي الإنتاج (الأعمال الفنية المادية والأدب) يستحقان النشر وإن كانت هناك أولوية يستحقها أحدهما أو تقديم أحدهما على الآخر فذلك يستحقه نشر الأعمال الفنية .
المقومات والوسائل الأساسية للنشر التشكيلي في السودان (رصد التجربة وتشريح تفصيلي لأسباب الضعف):
على ضوء ما سبق وعلى ضوء معرفتنا لما هو جدير بالنشر وما ينبغي أن يكون عليه، لا مناص من النظر بجدية أكبر لواقع الحياة التشكيلية في السودان وتحديد الآليات والوسائل الفعالة للنشر التي نفتقر لها ويعوزها مشروعنا الإنتاجي في مجال التشكيل وبنوعيه السالفي الذكر، وهي ما تعارف المختصون على تسميته بالبنية الأساسية أو البناء الأساسي للتشكيل، الذي سنسلط الضوء على بعض مقوماته وأوجهه ومتطلباته التي تشكل أهمية خاصة بالنسبة لواقع الموقف الثقافي
والحالة التشكيلية الراهنة في بلادنا ولمستقبلها والتي نوجزها فيما يلي: (وحسب فهمنا لماهية النشر وماهية مجالاته ووسائله).
(أ) الفنانين التشكيليين السودانيين ودورهم في المجتمع:
لعله من نافلة القول ألا يستسيغ الفهم العميق لدور الفن ووظيفته في المجتمع بدون النظر لدور الفنان الذي يقف – كعامل أساسي – وراء تحقيق هذه الوظيفة التي يعول عليها كثيراً وكواحدة من مقومات تحقيق التنمية الإجتماعية التي تهدف لبناء الإنسان (في أي بلد كان)، فعلى ضوء هذا الفهم نعتقد أنَّ الفنان هو المورد الأساسي الفعال لتحقيق هذه التنمية في جانبها الذي يتعلق بدور الفن وضمن أدوار أخرى، وعلى أساس فهمنا بأنَّ الإنسان هو غاية التنمية الاجتماعية
وهو في ذات الوقت المورد الأساسي لتحقيقها، لابد من طرح تساؤل هام حول واقع الفنانين التشكيليين والظروف التي يجابهونها في (وطنهم) السودان وتحول دون قيامهم بالأدوار الأساسية المناطة بهم وعلى أكمل وجه، وبما يتسق مع إمكاناتهم الحقيقية. فمن الأجدر بنا جميعاً، وبدلاً من مطالبة الفنانين التشكيليين السودانيين – المكبلة إمكاناتهم – بما يقع تحت طائلة مسئولية الدولة ومؤسسات المجتمع المدني وما شابهها ينبغي النظر إلى دورهم كمورد بشري
هام في عملية التنمية الإجتماعية لم يُحسن إستثماره باتجاه نشر الوعي الجمالي ولصالح غايات البناء الروحي والوجداني للإنسان السوداني، كما يجدر التفكير وبشكل جاد في حالة أو (الشتاتين) التي يعاني منها مجتمع التشكيليين ومعرفة الأسباب الحقيقية لظاهرة هجرة التشكيليين من السودان والتي تشكل أعلى النسب من بين جميع المهن في مجال الفن عموماً. وذلك بناءاً على الإحصائية التى أوردها الأستاذ محمد على إبراهيم فى مقاله حول هجرة المبدعين
والمنشورة بجريدة الخرطوم بتاريخ 15 / 8 / 2001 [5]. وينبغي التفكير يشكل جاد العمل بكل السبل من أجل لم شـمل خبراتهم (لا بل خبراتنا جميعاً) المتناثرة في شتات الخارج وفي مختلف بلدان العالم من كندا وأمريكا إلى ماليزيا ومن جنوب أفريقيا وكينيا إلى دول اسكندنافيا، كذلك لم شتات (الداخل) وعلى الأقل حول
كلمة سواء ورابطة مهنية تجمع ألوان طيفهم المتعددة الرؤى والميول والاتجاهات الفكرية والسياسية وأن يكون معيارها للالتفاف حول هذه الكلمة والانضمام لهذه الرابطة هو الخبرة والكفاءة المهنية والإنتاج الخلاق . ولم هذا الشمل – على الأقل – في مأوى (وطني) ودار تخصهم ظلوا يحلمون بها على مدى أكثر من نصف قرن ومنذ نشأة اتحادهم تحت اسم (اتحاد الفنون الجميلة السوداني) في الأربعينات من القرن الماضي، كما علينا ولتحقيق هذه الأشواق في اتجاه خلق
حركة تشكيلية فاعلة تستنهض كل الطاقات الخلاقة لكل التشكيليين السودانيين واستثمارها من أجل نشر الوعي الجمالي الفني في بلادنا التي نراها الآن – وأكثر من أي وقت مضى – في أمس الحاجة لذلك. وكخطوة أولى أرى أن نعمل على جمع وتسجيل السيرة الذاتية للفنان التشكيلي السوداني، كذلك تجربته وأدبه التشكيلي . وتحقيقاً لهذا ندعو لإقامة مركز أو وحدة توثيق تعنى بـ(الأدب التشكيلي والسيرة الذاتية للتشكيليين السودانيين) ففي ذلك ما يساعد على معرفة
الكثير من الحقائق الغائبة والمتعلقة بالقوة الحقيقية للكادر المهني التشكيلي ومقدار وقيمة إمكاناته وطاقاته .
(ب) مفهوم النشر التشكيلي وآفاقه الواسعة: على ضوء مفهوم الحديقة التشكيلية (صالة العرض والمتحف وكل البيئة والوسط وكل فضاءات الرؤية البصرية التشكيلية)
ينبغي علينا – بالضرورة – وقبل الخوض في أية تفاصيل تتعلق بموضوع النشر التشكيلي أن نعيد النظر في مفهومه السائد الذي يقتصر على وسائط ومجالات بعينها وتحويله من مفهوم يقلص النشر في مجالات الكتابة والمطبوعات والإعلام وفنون (صالة العرض) و(المتحف) إلى مفهوم يشمل أيضاً كل مكونات البيئة والوسط التشكيلي وعلى امتداد فضاءات الرؤية البصرية الحاوية لكل ما يصنع الإنسان وفي جميع المجالات والأمكنة وعلى غرار ما تم طرحه في مبادرة بيان الحديقة التشكيلية
التي عنت – في الأساس – (لفت انتباهنا لماهية النشر التشكيلي وماهية مجالاته الأكثر (خطورة) وأجدر باهتمامنا أكثر من غيرها) وهي متعلقة بمفهوم النشر (الأصح) . وفي إتجاه بحثنا عن حلول ناجعة لحالة القبح التي استشرت في مختلف أوساطنا وعن حلول لظاهرة تدني معدل الذوق الجمالي العام وهذا بخلاف التعويل - المعتاد - على صالة العرض فقط ، لإشاعة الذوق الفني بين مختلف أوساط المجتمع السوداني وبخلاف التعويل على الفنانين وحدهم للقيام بهذه
المهمة الجسيمة التي تتعدى حدودها صالات العرض المحدودة المساحة، المحدودة الأثر وتتطلب تضافر جهود المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني مع جهود الفنانين التشكيليين .
فالنشر التشكيلي الذي نعنيه وبهذا المفهوم، هو ما يتعلق بجمالية كل الأمكنة والأشياء التي تشكل بيئة كل الأوساط التي نحيا فيها ونعمل ونبصر. . الخ ، وبهذا الفهم يمكننا التوصل إلى مستوى النشر التشكيلي الذي نحلم به (لزراعة حدائقنا الروحية)([6]) وعلى نطاق واسع وفي بلد (حار جاف مترامي الأطراف)([7]) ولتغيير واقع القبح والإهدار والفقر الجمالي التشكيلي الذي تعاني منه حياتنا الثقافية وأدت إليه – في تقديري – الأسباب التالية:
1- أثر المفاهيم الخاطئة المتعلقة بالفن وجدواه) بشكل عام المتعلقة بالفنون التشكيلية (ماهيتها وجدواها) وبوجه خاص والسائدة بين أوساط بعض المثقفين وقادة العمل الإداري والتنفيذي وتشكيكها في وظيفة الفن ودوره في التنمية الإجتماعية .
2-عدم وضوح الرؤية والتباسها لدى بعض التشكيليين فيما يتعلق بالمجالات والوسائط الأكثر أهمية في عملية النشر التشكيلي والأكثر تأثيراً على (كل فئات الجمهور) وعلى مستوى كل فضاءات الأمكنة والبيئة وكل الأشياء التي من حولنا وفي واقع كواقع بلادنا (الحالي) الذي يعاني من استشراء ظاهرة القبح في كل تصاميم أشياءنا ومقتضياتنا ولوازم حياتنا المختلفة . . . الخ والذي يعاني من فوضى تشكيلية ضاربة بأطنابها وبقدر لا تقوي عروض صالات العرض – محدودة التأثير
– على مجابهة مخاطره .
3-عدم إدراك الدولة ومؤسساتها لتقاطع الفنون مع مجالات الثقافة الأخرى ومع التعليم والصحة النفسية وإدارة الحكم المحلي وتخطيط المدن وضعف اهتمامها بالثقافة والمعرفة البصرية التشكيلية .
4-غياب الدعم المالي لمشاريع البنيات الأساسية في مجال التشكيل (سواء من الداخل أو من الخارج).
5- ضعف وغياب دور التشكيليين الرواد وغيرهم من المثقفين ذوي الاستنارة - وخاصة من كانوا يتقلدون مناصب مرموقة في الدولة – في العمل على تأسيس بنيات أساسية وخلق أوضاع وظروف تساعد على حيوية الحركة التشكيلية وازدهار النشر التشكيلي في ما يلي تفصيله: (غياب فكرة التأسيس نفسها/ضعف الحرص والمطالبة/الفشل في العثور على مصادر تمويل/عدم إنشاء متاحف للفنون التشكيلية السودانية القديمة والمعاصرة/عدم إنشاء متاحف فنانين (أفراد)/تأسيس دار نشر للأدب
التشكيلي وأقله عدم إصدار مجلة تعنى بالتشكيل/عدم إنشاء مركز للتوثيق والحفظ التشكيلي/عدم الإهتمام بوضع مقرر تاريخ الفن التشكيلي السوداني وخاصة (القديم منه) ضمن مناهج الدراسة الأكاديمية بالمؤسسات التعليمية وأقله بكلية الفنون الجميلة والتطبيقية وبكليات الهندسة والمعمار/عدم الترويج للتراث التشكيلي لحضارات السودان القديمة/عدم الدفاع عن الصناعات الشعبية والحرف اليدوية التشكيلية والوقوف ضد ظاهرة اندثارها/عدم خلق وضع وظيفي مهني
لخريج الفنون في هيكل الخدمة العامة بالدولة وأسوة بأقرانه في الدرجة العلمية وبالوظائف المهنية الأخرى/عدم تخصيص دار دائمة للتشكيليين وأسوة بغيرهم من المهن الأخرى/ عدم تطوير مناهج كلية الفنون الجميلة والتطبيقية / عدم الحفاظ على مبدأ تعليم التربية الفنية بمراحل التعليم المختلفة/ عدم صدور أي وثيقة جادة تنادي أو تطالب بأي مما سبق ذكره. (وهذا حسب علمنا وحتى هذه اللحظة).
6- سوء الأوضاع المهنية، الوظيفية، الإجتماعية للفنانين التشكيليين وعدم تقنين الهيكل الوظيفي للتشكيليين السودانيين وعلى غرار الهيكل الوظيفي للمهن الأخرى التي تعادلهم في عدد سنوات التأهيل وفي الشهادات والدرجات العلمية.
7- إيقاف تدريس مادة التربية الفنية بالمدارس.
8- تعطيل وتأخير وتوقف تنفيذ بعض المشاريع الكبيرة الخاصة بالنشر التشكيلي.
9- عدم وجود مكاتب استشارية وبيوت خبرة فنية لها صلاحية تقييم وترخيص التصاميم الفنية في مختلف مجالات العمل والحرف والصناعات ذات الطبيعة التشكيلية.
10- فوضى سوق العمل في مجال مهن التصميم الفني ذات الطبيعة التشكيلية وأثرها البالغ في إفساد الذوق العام.
11- هجرة أعداد كبيرة من خيرة الكوادر المؤهلة – السودانية – ذات الخبرة العالية في مجال التشكيل وفقدان التواصل معها للاستفادة من خبراتها في – وطنها – السودان .
وخلاصة القول يتعين علينا النظر لمفهوم النشر ومشكلاته بأفق يتسع لمجالاته المتعددة التي تحتويها كل فضاءات الرؤية البصرية وكل الأمكنة التي نشغرها وكل الوسط والأشياء التي من حولنا وباعتبارها أكثر الوسائل والموضوعات تأثيراً على الذوق العام وذلك بسبب ضخامة حجومها وهيمنتها على الفراغ المحيط بنا وبسبب اتصالنا الدائم بها وخضوعنا الحتمي لتأثيراتها البصرية، إن شئنا أم أبينا (ولنتأمل كم مرة في اليوم، وفي العمر، نرى الشارع، والمبنى، وواجهة
البيت، وحيطانه، وسقفه، وأثاثاته، وكم مرة نمسك بمزلاج الباب وبآنية الأكل والشرب، وكم مرة - في اليوم - ننظر إلى إعلانات المحال التجارية والى مقالب القمامة والأنقاض والى ساحاتنا ومياديننا الخالية من الخضرة) فهذه الأشياء تلعب دوراً أكبر من سواها، كالمتحف وصالة العرض والكتاب والمجلة وما شابه ذلك، فهي في الواقع تلعب الدور الأكبر في صياغة الذائقة الجمالية لدى كل الناس - في المجتمع – شاغري هذه الأمكنة والفضاءات الممتدة فما أسوأه
من أثر لهذه الأشياء والأمكنة وما أسوأها من صياغة ومن نتائج حينما تتصف بالقبح بيئة الأوساط – التشكيلية – المحيطة بنا، فتؤدي إلى إتلاف الذائقة والى تدني الذوق الجمالي العام ومما يقود بالتالي إلى التطبع على حالة القبح والى الشعور باللامبالاة تجاهها، وهذا ما نعتقد أنه آخر الأطوار وأسوأها . وحينها لن تجدي نفعاً - وكما ورد في بيان الحديقة التشكيلية - كل معارض الفن التشكيلي التي ظللنا نقدمها في صالونات العرض المنعزلة عن غالبية
الناس مثل قطع الشوكولاته الفاخرة، ولنفر من الصفوة الأرستقراطية والثقافية وبعض الضيوف الأجانب ، بينما يتضور من جوعه الفني، ويعاني من ويلات فيروس القبح المستشري على طول البلاد وعرضها وكل المجتمع السوداني المعني – أساساً – برسالة النشر التشكيلي وغاياتها القصوى الهادفة لنشر المعرفة والوعي الجمالي التشكيلي .
(ج) المؤسسات العلمية الأكاديمية الخاصة بتعليم الفنون التشكيلية :
لعله ما من أحد لا يتفق مع أهمية دور المؤسسات العلمية الأكاديمية في نشر المعرفة والوعي الجمالي الفني التشكيلي وفي أي مجتمع يتصف قادته بالاستنارة وسعة الأفق، وفي حالة السودان لعل مجتمعنا قد حالفه الحظ أكثر من غيره في معظم البلدان الأفريقية والعربية وأكثر من أي فترات لاحقة، إذ قُيض له أن يحظي بوجود شخص عظيم الشأن مثل جان بيير غرينلو (JEAN PIERRE GREENLAW) ضمن طاقم الإدارة الاستعمارية العاملة – آنذاك – في حقل تخطيط التعليم في السودان وقبل بزوغ فجر الاستقلال والذي يرجع له فضل النشأة المبكرة لمدرسة التصميم (SCHOOL OF DESIGN)، النواة الأولى لكلية الفنون الجميلة (الحالية)، ويرجع له – أيضاً – فضل البداية المبكرة للاهتمام بنشر المعرفة
التشكيلية التي ظهرت أولى إرهاصاتها في ما صمم وأَلَّف وأعد من كتب ومقررات لمعهد بخت الرضا والتي كان يغلب على مناهجها روح الاهتمام الكبير بالتربية الفنية وخلق أساس تعليمي لنشر المعرفة التشكيلية وتنمية الحس الجمالي الفني.
لقد ظلت كلية الفنون الجمـيلة والتطبيقية – ولقرابة نصف قرن من الزمان – هي المؤسسة الأكاديمية (الرسمية) الوحيدة في السودان التي تعني بتعليم التشكيل وبنشر المعرفة التشكيلية من خلال خريجيها الذين بلغوا عشرات المئات ورفدت بهم نسيج حياتنا وحراكنا الثقافي التشكيلي وفي مختلف أوجه الحياة العملية، لكننا ورغم ما قامت به الكلية من أدوار كبيرة على صعيد الحياة الثقافية والحياة العملية في بلادنا ورغم تزايد أعداد الراغبين في دراسة الفنون
التشكيلية، نجد أن بصيرة مخطط التعليم الرسمي (الوطني) لم تقدم أية إضافة – تُذكر – إلى ما أنجزه المخطط (الأجنبي) غرينلو، إذ لم تهتد إلى ضرورة إنشاء كليات أخرى شبيهة مستوفية لكل الشروط الأكاديمية الخاصة بمؤسسات التعليم العالي أو على الأقل أن تهتم بترقية وتطوير الكلية الوحيدة الموجودة ورغم الأهمية الاستثنائية لدورها الأكاديمي والثقافي الذي تنفرد به ورغم تزايد أعداد الراغبين في الانضمام لها وحاجة المجتمع لذلك . ومما يؤسف له أن
أدائها ونظمها الأكاديمية والإدارية قد مرت – في السنوات الأخيرة الماضية – بأطوار متعاقبة من التدني والانحدار السريع ومن تراجع كفاءتها وسمعتها العلمية و((. . . ظلت وحيدة تشكو غربتها وبينما ازدادت الجامعات عدداً واستيعاباً ، ظلت . . . كلية الفنون ، مكانك سر وياليتها كانت كذلك، ولكنها تدهورت تدهوراً مريعاً، خاصةً في العقد الأخير وطالما صحنا مهيبين بكل من له اهتمام، أدركوا كلية الفنون التي تحولت من مؤسسة ثقافية ذات فكر مبدع
متقدم إلى مدرسة تعاني العنت والفكر الضيق والتزييف لكل الكفاءات والقدرات)([8])، وأنها ((. . . قد دخلت في نفق مظلم لأكثر من عشر سنوات مما أدى لتدهور بنياتها التحتية وتدهور أداؤها الأكاديمي وكادت تغيب من المجتمع السوداني . . .)) ([9])، أما الآن فقد تولى عمادة كلية الفنون الجميلة د. أحمد عبد العال الذي نجده قد عقد العزم على إعادة مجدها الأكاديمي السابق، فهي على حد عبارته ((. . . الآن تحتاج لإصلاح ونأمل أن يتم هذا على هدى وبصيرة، وبوجود كافة الاخوة القادرين على ذلك من أبنائها وخريجيها وأساتذتها ومن قطاع المستنيرين من المثقفين
السودانيين)) ([10]).
نأمل أن يتم ذلك، وأن يتم – أيضاً – تأهيل كلية الفنون التابعة لجامعة جوبا، وإنشاء كليات أو أقسام جديدة للفنون بالجامعات الأخرى . ولعله من الطبيعي أن تنشأ حاجة المجتمع لإنشاء كليات جديدة من تزايد أعداد الراغبين في دراسة الفنون التشكيلية ومن حاجة الدولة لمزيد من الكوادر المؤهلة في هذا المجال . ولعل هذه الأسباب مجتمعة هي التي خلقت ظروفاً مواتية لنشأة كليات وأقسام خاصة تعني بدراسة التشكيل مثل كلية الخرطوم التطبيقية، وجامعة أم درمان
الأهلية، والتي نعتقد أنها لبت حاجة ملحة للمجتمع، بل نجدها وباهتمامها بتخصصى المعمار والتصميم الداخلي وإلحاقهما بكلية فنون وما في ذلك من سداد في النظر والتفكير قد عوضت فاقداً كبيراً في تعليم الفنون في السودان، هو هذان التخصصان الهامان ونجدها – بذلك - سدت فراغاً كبيراً كانت تعاني منه كليتنا الوحيدة والى وقت قريب.
(د) المتاحف ( MUSEUMS ) :
تعتبر المتاحف الخاصة بالتشكيل أهم وسائل النشر والعرض الدائم لأصول الأعمال الفنية ونجدها في ذات الوقت من أهم الوسائل التي تجمع – في آن واحد - بين فعلي النشر والتوثيق، وتُعزى أهمية المتاحف التشكيلية والمتاحف عموماً ودورها في النشر التشكيلي إلى ثبات وديمومة عرضها الذي يتم في الغالب بشروط ومواصفات علمية في غاية الدقة والتنظيم وبما يسمح بالحفاظ على الأصول المعروضة من التلف والضياع وما يسمح مع ذلك على عرضها ونشرها للجمهور.
ولذلك نحن نعول كثيراً على دور المتاحف في النشر والحفظ والتوثيق ولذلك نطالب بقيامها وإنشائها في بلادنا وحفاظاً على ثرواتنا وكنوزنا الفنية من التلف ومن السرقة والضياع ومن المعروف أن عدداً كبيراً من أعمالنا التشكيلية السودانية ذات القيمة العالية قد تسربت خارج بلادنا وبشتى الطرق والأساليب عن طريق الإهداء والنهب المنظم وعن طريق البيع بأبخس الأثمان وكما هو معلوم، وفي السنوات الأخيرة وفي غياب حماية الدولة لمقدراتنا الثقافية وغياب آلية
دائمة لشراء الأعمال الفنية واقتنائها للمتاحف السودانية أن الخرطوم أصبحت مركزاً سهلاً لا تحكمه أية شروط جمركية أو ثقافية لحماية المقدرات الثقافية السودانية، ولذلك يقصدها تجار الأعمال الفنية وسماسرتها من أوربيين وجامايكيين وآسيويين وغيرهم، ويعتبرونها من أفضل الأسواق للشراء الرخيص والعبور (بسلام !) إلى دول مثل كينيا ومصر وبعض البلدان الأوروبية حيث يتم بيع هذه الأعمال وبأغلى الأثمان مثلما يحدث في سوق الخرطوم بالنسبة لسن الفيل
ولجلود الحيوانات الوحشية المحظورة دولياً وكما يحدث للقطع الأثرية التي ترجع إلى حضارات السودان القديم، فعليه وحفاظاً على مقدراتنا الثقافية الوطنية السودانية ينبغي علينا أولاً أن ننشئ قسماً خاصاً بالثقافة في مصلحة الجمارك السودانية ومن ثم علينا أن نشدد الرقابة على آثارنا ومتاحفنا، وتنطبق نفس هذا الإجراءات على مقدراتنا الثقافية التشكيلية التي يجب أن نحرص على إنشاء المتاحف الخاصة بها لكي تساعد على نشرها والحفاظ عليها من كل
الأخطار . كما نقدم هنا بعض المقترحات الخاصة بالمتاحف التي نراها في غاية الأهمية وهي :
1- تحويل اسم (متحف السودان القومي) إلى اسم (متحف الفن التشكيلي السوداني القديم) وذلك باعتبار أنَّ المتحف يضم أساساً نماذج من الأعمال الفنية التشكيلية (نحت، خزف، رسم، أثاثات، مصنوعات يدوية، تحف، إكسسوارات) وباعتبار التسمية الحالية تبدو هلامية المعنى وخالية من الدلالة والمغزى المعبر عن إبداع إنسان السودان القديم فى مجال التشكيل، وأي إبداع عظيم القيمة في تاريخ الحضارات الإنسانية القديمة غير الذي تم في مجال الفن ! ولمَّا كان لإنسان
السودان القديم دور مقدر في قيام حضارة بلاده ولمَّا كان لحضارة بلاده مكانةً شديدة الأهمية بين حضارات وادي النيل القديمة وحضارات العالم، فلماذا إذن ننكر دور فننا (التشـكيلى) السـوداني (القديم) ولماذا نموه إبداعه بتسمية هلامية غريبة لا تعبر عن دور الفن التشكيلى في تاريخنا وفي حضاراتنا القديمة .
2- ندعو لقيام متحف للفن التشكيلي السوداني المعاصر (ولعل الأسباب التي تدعو لتقديم هذا الاقتراح قد ورد ذكرها آنفاً) كذلك أسباب الدعوة لقيام المتاحف الأخرى سيرد ذكرها في متن ورقة البحث .
3- متحف الحرف والصناعات اليدوية السودانية.
4- متحف الفنانين التشكيليين الفطريين (السودانيين).
5- متحف العمارة السودانية.
6- متحف المجموعات السودانية الخاصة.
أو متحف المقتنيات السودانية التشكيلية الخاصة المكونة من أصول الأعمال الفنية (المحلية والإقليمية والعالمية) في مجال التشكيل، ونذكر منها على سبيل المثال مجموعة العالم د. التجاني الماحي ومجموعة الديبلوماسي فخر الدين محمد ومجموعة الفنان التشكيلي شفيق شوقي، ومجموعة الفنان التشكيلي أحمد شبرين والفنان التشكيلي د. راشد دياب .
7- متحف النحت السوداني المصغر (الأناتيك).
8- متحف الخزف الشعبي السوداني.
9- متحف النسيج الشعبي السوداني .
10- متحف المصنوعات الجلدية الشعبية (السودانية).
11- متحف كلية الفنون الجملية والتطبيقية (داخل الكلية).
كما ندعو إلى إقامة متاحف الأفراد الآتية :
12- متحف التيجاني الماحي – بالخرطوم .
13- متحف ومرسم جحا – بأم درمان .
14- متحف عبد الله المصوراتي (للتصوير الفوتغرافي) – بأم درمان أو الخرطوم .
15- متحف أبو الحسن مدني – ببورتسودان .
16- متحف العريفي الكبير – بالأبيض .
17- متحف عبد العزيز فرح – بعطبرة .
18- متحف عمر خيري – بأم درمان أو الخرطوم .
19- متحف ومشغل (بيت الجاك) عابدين الشوافعة – بأم درمان .
20- متحف أحمد سالم – بمدني .
الجدير بالذكر أن بالسودان حالياً سبع متاحف فقط وهي :
1- متحف بيت الخليفة عبد الله .
2- متحف السلطان علي دينار .
3- متحف شيكان.
4- متحف الإثنوغرافيا.
5- متحف التاريخ الطبيعي .
6- متحف السودان القومي .
7- متحف القصر الجمهوري .
والملاحظ أن من بينها جميعها، نجد متحفاً واحداً فقط له علاقة مباشرة بالتشكيل أي أن معروضاته ذات طبيعة تشكيلية وأنها تمثل فناً سودانياً في مجال التشكيل وذلك هو متحف السودان القومي، ورغم أن اسمه لا يدل على طبيعة محتوياته التشكيلية ولعل هذه الحقيقة تعتبر من الأدلة القاطعة على عدم اهتمام الدولة بالثقافة التشكيلية في السودان وعلى تواطؤ المثقف السوداني ولعل هذا دليل - أيضاً – على ضعف النشر التشكيلي وممثل في واحدة من أهم وسائله .
ومما يجدر ذكره أن بعض المحاولات والجهود قد بذلت لإنشاء متحف خاص بالفن التشكيلي السوداني المعاصر وإبان فترة الحكم المايوي وتولي الأستاذ والفنان التشكيلي إبراهيم الصلحي لمنصب وكيل وزارة الثقافة والذي يرجع له الفضل في سن تقليد شراء بعض الأعمال من الفنانين التشكيليين وحفظها لتأسيس نواة لمشروع المتحف المرتقب ولكن سرعان ما تغيرت الأمور وبسبب التقلبات السياسية التي حدثت في ذلك الوقت وعصفت بالفكرة والأعمال التي تم جمعها وفي هذا الصدد
نذكر رواية كثيراً ما يرددها الأستاذ إبراهيم الصلحي وهي تلخص ما آل إليه مصير الأعمال التي تم جمعها وما انتهى إليه أمر المتحف المرتقب ونجده يقول:((حدثني الأستاذ حسين جمعان إنَّه رأي أحد العمال بمصلحة الثقافة واقفاً فوق كوم من القمامة وينوي التخلص منها أو حرقها أو ما شابه ذلك وقد كان على رأسها بعض اللوحات)) و((ذكر لي أيضاً أنه رأى إحدى أعمالي في البوفيه تستخدم كطاولة لأكل الفول وبنفس المكان السابق)).
أما الآن وبعد حوالي ثلاث عقود من تلك الحادثة المؤسفة المحزنة ومن اندثار فكرة متحف الفن التشكيلي السوداني المعاصر تنامت إلى أسماعنا وفي هذه الأيام – ومن جديد – الدعوة لإقامة المتحف المذكور، الذي نأمل أن يرى النور وأن تكلل بنجاح الجهود والمساعي التي تبذل الآن ومن مختلف الأطراف .
( هـ ) مراكز الفنون ( ART CENTRES ):
تعتبر مراكز الفنون من المنشآت الخدمية الثقافية الضخمة المتعددة الوظائف والأغراض والخاصة بنشر وتوثيق المعرفة الفنية، سواء كانت خاصة بكل أنواع الفنون أو تخص نوعاً واحداً منها، ولعل بلادنا لم تشهد إلى الآن مثل هذا النوع من المراكز، بيد أنها شهدت أنواعاً أخرى من المنشآت الضخمة ذات الوظائف والأغراض الثقافية المختلفة، كقاعة الصداقة بالخرطوم وقصر الشباب والأطفال بأم درمان، لكنها وكما هو معروف وحسب التصميم الوظيفي لحيزات كل واحد
منها لا تشتمل على صالات خاصة بعرض الفنون التشكيلية وباستثناء صالة العرض السينمائي وخشبة المسرح، ولعله وبسبب الكلفة العالية لتمويل مشاريع مراكز الفنون لم يفكر المخطط الثقافي الوطني في طرح فكرة إنشاء مثل هذه المشاريع البالغة الأهمية في نشر وتوثيق المعرفة والثقافة التشكيلية، ولعلها رغم ذلك كانت تراود بعض المثقفين السودانيين من ذوي الاستنارة العالية إذ نجدهم قد سعوا لتحقيقها ورغم عائق التمويل الذي من الواضح استحالة توفيره من
الداخل ! ومن ميزانية الدولة ! التي لا تولي أهمية كبيرة للثقافة ! ناهيك عن فرع منها هو الفنون التشكيلية لذلك اتجه التفكير للبحث عن ممول خارجي وبالفعل قد تم ذلك وتكللت بالنجاح جهود بعض ذوي الاستنارة المجهولين الذين كانوا يقفون وراء فكرة المشروع وقد حدث ذلك بالنسبة لمشروعين وهما :
1- مركز الفنون (ART CENTRE) بجامعة الخرطوم ، نهاية الثمانينات .
2- مركز الفن التشكيلي، نهاية التسعينات .
ولكن نجاح الفكرتين - ورغم توفير المال اللازم - لم يكمل أشواطه للنهاية ! بل تم إجهاضهما أو قل تعطيلهما قبل البدء في مراحل الأعداد الأولى للتنفيذ ولنرى تفصيل ما حدث بالنسبة لكل واحد منهما .
أولاً: مركز الفنون (ART CENTRE) بجامعة الخرطوم، نهاية الثمانينات :
لقد تصادف – وأثناء ظهور فكرة إنشاء هذا المركز وتوفير تمويله المالي – أن عملت أستاذاً متعاوناً بكلية الآداب بجامعة الخرطوم وقد علمت من أحد أساتذة الكلية المذكورة والذي كان مسئولاً عن برنامج دراسي كنت أقدمه لطلابها أن جهة أجنبية ولعلها اليونسكو، قد تقدمت بمنحه مشروطة بمدى زمني لبناء مركز للفنون (ART CENTRE) بجامعة الخرطوم،
يشتمل مخططة على حيزات وصالات لمناشط ثقافية، فنية مختلفة، من بينها صالات للموسيقى وعرض الفنون التشكيلية ومكتبة وقاعة محاضرات . . الخ .
وما حدث أن مبدأ إقامة مثل هذا المركز قد لاقى رفضاً متعنتاً من بعض الجهات داخل الجامعة وخارجها تسبب في إهدار الزمن وتسويف الوقت، مما أدى إلى الإخلال بأحد شروط المنحة المتمثل في الالتزام بجدول زمني محدد وأدى بالتالي إلى سحب المنحة وعدم قيام المركز المذكور .
ثانياً: مركز الفن التشكيلي أو المركز الكامل للفن التشكيلي ، نهاية التسعينات :
تمثل واقعة هذا المركز ثاني مشاريع الثقافة الخاصة بالفنون التي تم تعطيلها فى مجال المراكز وكمحاولة لمعرفة الأسباب التي أدت إلى ذلك نورد إفادة (موثقة) لأحد شهودها وهو الأستاذ إبراهيم العوام وهذا مع أن إفادته لا تشير إلى تواريخ الواقعة التي يرويها وموضوعها كما لا توضح بشكل كاف ما إذا كان التعطيل الذي تم هو تعطيل مؤقت أم تعطيل نهائي، آل إليه مشروع هذا المركز ورغم توفير كلفة تمويله ولنرى ما قاله في هذا الصدد:((دعانا الأخ أمين حسن
عمر في اجتماع ضم أكثر من خمسين فناناً تشكيلياً وأخبرنا أن أحد حكام الخليج قد تبرع للتشكيل بمليون دولار، وإنَّه جمعنا لمشاورتنا، وتشكلت لجنة اقترحت قيام مركز كامل للفن التشكيلي ورفعت توصياتها لوزارة الثقافة ولم نعلم بما تم بعد ذلك)) ([11]).
لا تعليق يذكر على هذا سوى أن نقول إن مثل هذه الإفادة التي تستبطن إقراراً بتبرئة الذمة، لا تستثير لدينا ولدي كل من يسمعها أو يقرأها، سوى رغبة مشروعة لمعرفة ما تم بعد رفع التوصيات إلى وزارة الثقافة لمعرفة موقف اللجنة التي رفعت هذه التوصيات ومدى متابعتها للأمر . وعلى كل نأمل أن يرى النور تطبيق ما حملته هذه التوصيات التي رفعتها لجنة تمخضت عن اجتماع ضم أكثر من خمسين فناناً تشكيلياً أحسبهم تنادوا وهبوا لهذا الاجتماع بدافعٍ من الحرص
على ستر فضيحة العاصمة (الحضارية) الخالية من الصالات والمتاحف والمراكز الوطنية العامة والخاصة بالتشكيل ويحلمون مثل بقية زملائهم بقيام مركز للفن التشكيلي بالخرطوم التي ستصبح بعد عامين فقط ، عاصمةً للثقافة العربية .
خلاصة ما يمكن استنتاجه من هاتين الواقعتين اللتان نعتبرهما ومع قرائن أخرى خير دليل على بطلان حجج كلفة التمويل الباهظة التي تتطلبها مشاريع البنيات الأساسية في مجال الفنون التشكيلية (بوجه خاص) والتي دائماً ما تتعذر بها مؤسسات الدولة وبعض المسئولين التنفيذيين وتستخدم – من جانبهم – كمبرر لعدم القدرة على تبني مشاريع إنشائية ضخمة خاصة بالثقافة البصرية التشكيلية . فها قد توفر التمويل الباهظ ولمرتين ولكن رغم ذلك لم تقم المشاريع المقترحة
ورغم أنها مدفوعة القيمة !!
( و ) صالات العرض (GALLERIES):
تعتبر صالات العرض ( GALLERIES ) من أهم الوسائل لنشر الثقافة البصرية التشكيلية التي تتيح للجمهور التعرف علي التجارب التشكيلية المتجددة وبإيقاع متواتر يخلق نوعاً من الحيوية وإمكانية المتابعة المنتظمة لآخر منتجات الصناعة التشكيلية وأحدثها كما أنها تخلق ظروفاً مواتية لإقامة بعض الفعاليات والنشاطات الثقافية المصاحبة كالندوات
والمحاضرات وتوفر مادة ثقافية حية لوسائل النشر والأعلام (كالصحف والإذاعة والتلفزيون) وتشكل هذه العناصر مجتمعة، حافزاً ودافعاً للتشكيليين – منتجي هذه الأعمال- يشجعهم علي مواصلة تجاربهم وبلا إنقطاع. لكننا في السودان وعلى الرغم من هذه الأهمية الاستثنائية نجد أنَّه قد تعذر – وحتى الآن – إقامة صالة عرض وطنية أو بالأحرى، أقامتها والمحافظة الدائمة على وظيفتها الثقافية . ولعل التفكير في إقامة هذه الصـالـة الوطنيـة يرجع إلى فترة
الخمسـينات عندما أطلق صاحب (أصوات وحناجر) طيب الذكر د. أحمد الطيب أحمد صيحة ينبه فيها لما نعاني منه في بلادنا من جوع فني وإلى حالة الأمية التشكيلية التي يعاني منها المجتمع. ولعل صدى صيحته هذه ما يزال يتردد إلى الآن. إذ لم تجد من يستجيب لها من المسئولين وكل من يهمه الأمر. والجدير بالذكر أن كثيرين بعده صاحوا مثله ونادوا واقترحوا لكن شيئاً لم يتم وباستثناء أربع محاولات اسفرت عن نتائج متواضعة ؛ لا ترقى لما هو مطلوب: الأولى، هي
صالة المعارض بأبوجنزير التي أنشئت في السبعينيات وتنسب فكرة إنشائها للمرحوم محمد زكي الحاج والتي كنا نطلق عليها – آنذاك – إسم (قاعة الدلاقين) وهذا إشارة إلى عدم استيفائها للمواصفات الإنشائية لصالات العرض، وبالتالي عدم استيفائها لمتطلبات العرض الجيد، ولكننا في ذات، الوقت لا ننكر الدور الكبير الذي قامت به وفي غياب وجود الصالة الوطنية (المثالية). أما المحاولة الثانية فهي تنسب لعضو مجلس رأس الدولة في حكومة الديموقراطية الثالثة
الأستاذ (التشكليلي) إدريس البنا والتي اعلن مشروع قيامها أثناء فترة إقامة بعض الرواد التشكيليين لمعرض جماعي. لكن وللأسف، لم يتعد مشروع هذه الصالة حدود الوعد والبشارة التي حملتها للناس أجهزة الإعلام التى بثتها – آنذاك - في مقدمة نشرة أخبارها . ولكن هذه المحاولة، آل مصيرها الى ما آلت إليه صيحة الدكتور أحمد الطيب أحمد. والمحاولة الثالثة كانت في السنوات الأخيرة من فترة الحكم الشمولي الثاني والتي أضطلع بمهمة إنشائها المجلس
القومي لرعاية الآداب والفنون وبحرص وجهد كبيران بذلهما الأستاذ (التشكيلي) محمد حسين الفكي الذي كان يعمل بالمجلس المذكور . ولعلها هي الصالة الوطنية والرسمية الوحيدة التي بلغ مشروعها طور الإنشاء الذي سعى لتحقيق المواصفات الإنشائية المطلوبة التي توفر شروط العرض الأمثل والخاصة بوظيفة المبني، لكن هذه الصالة مع أنها لم تكن مستوفية لهذه المواصفات والشروط وبالقدر المطلوب، لكنها أوجدت مكاناً للتشكيليين السودانيين لعرض أعمالهم في دار
(وطنية) لم يكتب لها الإستمرار.
في الواقع إنَّ هذه الصالة ورغم علاّتها تحولت – في فترة الحكم الشمولي الثالث – إلى مكتب لأمين المجلس القومي لرعاية الآداب والفنون ! ومن ثم إلى مكتب لوزير الثقافة !!
أما الرابعة فهي صالة الجمعية التشكيلية السودانية التي أنشئت على نفقة شركة وضاح للتصميم الفني والإعلان التابعة لولاية الخرطوم وبحرص وجهد بذلهما الأستاذ (التشكيلي) الدرديري عبد الوهاب. لكن ورغم ما تتيحه – الآن – هذه الصالة من توفير مكان للعرض وفي منطقة مأهولة بالسكان والجمهور وخارج دائرة مواقع الصالات المعروفة والقائمة بوسط الخرطوم القديمة، إلا أننا نعيب عليها ما يأتي :-
1/ أنها أقيمت في مكان لا تتوفر لها فيه ضمانات بقائها مستقبلاً .
2/ أنها استصحبت في إنشائها وجود روح من الخلاف والمكايدة وهذا ما يتنافى مع دورها كصالة لنشر الثقافة البصرية بواسطة الجميع وللجميع وما يتناقض مع طبيعتها كصالة عرض وطنية .
فعلى كل ما تزال – باقية - الدعوة لإقامة صالة عرض وطنية مستوفية للمواصفات الإنشائية ولشروط العرض الجيد الخاصة بوظيفة المبنى وأغراضه في النشر الثقافي. وما يزال - كذلك – استغرابنا من عدم إقامة هذه الصالة أو مثل هذه الصالات ورغم مضي حوالي نصف قرن من ظهور الوعي بأهميتها والمطالبة بإقامتها . كما لا يفوتنا هنا الإشادة بكل من البروفيسور أحمد شبرين ود. راشد دياب على إنشائهما صالتي عرض (شبرين) و(دارا) وعلى نفقاتهما الخاصة . والإشادة بدور
صالات المراكز الثقافية الأجنبية وخاصة صالة المركز الثقافي الفرنسي إلتي وفرت للتشكيليين (في الخرطوم) وفي ظروف غياب صالات العرض الوطنية إمكانية العرض المستوفي للشروط المثلى المطلوبة والمتوفرة إلى حد كبير في صالة المركز الفرنسي وفي ما يقدمه من بعض الخدمات التي يلزمها عرض الأعمال الفنية.
وأخيراً وعلى ضوء ما جاء ذكره، يبقي التساؤل (الأهم) عن ماهية الدوافع والأسباب التي تحول دون إنشاء صالات عرض وطنية في السودان وبالمواصفات المطلوبة، وبحرص مدرك لأهميتها وقادر على المحافظة على وجودها واستمرار دورها في النشر الثقافي. وهذا ما ينبغي علينا أن نحرص على استجلاء معرفته وأن نجيب عليه جميعاً قبل تقديم أي مبادرات أخرى وقبل أن نُسَخِّرْ جهودنا وطاقاتنا نحو مهام الإنشاء .
( ن ) المطبوعات التشكيلية :
نعني بالمطبوعات التشكيلية كل وسائل النشر الخاصة بطباعة الأدب التشكيلي وصور الأعمال الفنية ونشرهما، والتي نقسمها إلى مجالين (1) و(2). الأول هو (الكتاب/ المجلة/ الصحيفة). والثاني هو (المطبوعات التشكيلية المصاحبة للمعرض)، ولنبدأ بالمجال الأول :
(1) الكتاب/ المجلة/ الصحيفة .
الكتاب:
لعله من المحزن جداً وعلى مدى يزيد على النصف قرن ألا تحظى المكتبة السودانية على أي مؤلف فى مجال التشكيل يتناول طبيعة العمل التشكيلي وخواص علاقاته الداخلية من حيث التكوين والتصميم وما يتصل بذلك من العوامل والظروف المحيطة بتقنية العمل وكيفية إنتاجه وعرضه ومنذ صدور كتابى (جان بيير غرينلو JAN PIEER GREEN LOW) (كتاب الأشغال اليدوية والرسم) بجزئيه، الأول والثاني، المكرس لمعلمي المدارس الأولية والصادر عام 1942م عن مصلحة المعارف السودانية. ولعله من المصادفات الغريبة أن الكتاب الثاني في المكتبة السودانية والذي له علاقة بطبيعة العمل التشكيلي، هو لنفس المؤلف وهو كتابه عن (معمار مدينة سواكن القديمة) ( THE CORAL BUILDINGS OF SUAKIN) الصادر عام 1976م عن دار أوريل البريطانية وتحت رعاية المجلس القومي السوداني للبحوث، أي بعد أكثر من ثلاث عقود من صدور كتابه الأول وبجزئيه. ومن الطريف أن نذكر ما جاء في مقدمة كتابه هذا: عن دهشته عندما أقدم على مهمة تسجيل آثار سواكن وأطلالها القديمة (بواسطة الرسم) في أنه كان يتوقع أن آخرين – أكثر جدارة منه - قد قاموا بهذه المهمة الملحة قبله. ولعل دهشته قد تتضاعف إذا عرف أن ثاني كتاب
في المكتبة السودانية هو أيضاً كتابه. ونعني بذلك كتاب سواكن الذي تكفل بنشره المجلس القومي للبحوث. وعلى ذكر مساهمات (قرينلو) في النشر التشكيلي في السودان وبواسطة الكتاب الذي يتناول جوهر العمل الفني وطبيعته التشكيلية يجدر بنا أن نلقي الضوء على جوانب أخرى من مساهماته في النشر وفي ذات المجال والتي تتمثل في إعداده وتصميمه لبعض كتب المقررات المدرسية الموجهة للطالب والمعلم على حدٍ سواء والتي نرى أن جميعها قد مهد أرضية مناسبة لأهم
وأخطر إسهاماته وهي إنشاء مدرسة التصميم (SCHOOL OF DESIGN) بالمدارس العليا بكلية غردون التذكارية وخلافاً للرأي والإتجاه العام الذي كان يتبناه معظم مخططي الإدارة البريطانية في السودان – في فترة ما قبل الاستقلال – والذي كان لا يشجع قيام مثل هذه المدرسة، بل يرى عدم ضرورة ذلك. هذا ولقد حظيت المكتبة السودانية بصدور أربعة
كتيبات لمؤلفين ومترجمين سودانين لكنها تختلف عن كتب (قرينلو) في أربعة جوانب، تتمثل في أنها من الحجم الصغير، وأن المؤلفين الآربعة كانوا سودانيين وأن أربعتهم غير متخصصين في مجال الفنون وهذا بالإضافة لطبيعة الموضوعات التي تتناولها كتبهم الثلاثة والتي نجدها تناقش قضايا تتعلق بفلسفة الفن والجمال وبدور الفن ووظيفته في المجتمع وعلاقته بالدين وهذه الكتب هي:-
1- وظيفة الفن، ترجمة الأستاذ/ حسن الطاهر زروق (الستينيات).
2- الإسلام والفنون، الأستاذ / محمود محمد طه (السبعينات).
3 – مسائل فى الإبداع والتصور، الأستاذ / جمال عبد الملك (إبن خلدون)، (السبعينات).
4- رسالية الفن، الدكتور/ حسن عبد الله الترابي (الثمانينيات).
كما نجد في ذات الوقت أنَّ هناك عدة مشاريع لكتب سودانية في مجال التشكيل ولتشكيليين سودانيين، وهي معدة وجاهزة للنشر ومنذ سنوات، لكنها لم تجد سبيلاً إلى ذلك . ونذكر منها على سبيل المثال وحسب ما بلغ علمنا، مشاريع الكتب الآتية :
1- مذكرات الفنان التشكيلي (الرسام)، الأستاذ/ عبد الله محي الدين الجنيد.
2- مخطوطة وقاموس مزين بالرسومات للفنان التشكيلي (الرسام)، الأستاذ/ عمر خيري .
3- ((دراسة في الجمالية الشعبية)) للفنان التشكيلي (الخطاط)، الأستاذ/ محمد عبد الرحمن أبو سبيب.
4- ((جحا بلسانه)) (مشروع كتاب عن حياة جحا وتجربته الفنية. للفنان التشكيلي (الرسام)، الأستاذ/ علاء الدين ألجزولي .
5- ((مساهمات في الأدب التشكيلي – تحليل نقدي لأدبيات التشكيل في السودان ، خلال الفترة من 74 إلى 1986م)) للفنان التشكيلى (الطباعي) الأستاذ/ صلاح حسن عبد الله .
الجدير بالذكر أنَّ هنالك عدة محاولات قد بذلت لنشر هذه الكتب ماعدا مخطوطة عمر خيرى وقاموسه اللذان لم تتم أى محاولة لنشرهما حتى هذه اللحظة . كما نخص بالحديث مشروع الكتاب رقم ( 5 ) الذى إستغرق من صاحبه الأستاذ/ صلاح حسن عبد الله حوالي سبعة عشر عاماً قضاها في التأليف والأعداد وظل يبحث – بعد الفراغ منه – عن جهة تقوم بنشره، سواء داخل السودان أو خارجه لكنه أيضاً لم يجد سبيلاً إلى ذلك، علماً بأن صاحب المؤلف المذكور متخصص فى مجال الطباعة
(داخل وخارج السودان) وعارف بدهاليز هذا المجال وأضابيره وعلى مدى أكثر من ثمانية وعشرين عاماً من الخبرة فيه ! ورغماً عن أهمية الكتاب وحيوية موضوعاته التي توثق وتتناول بالتحليل واحدة من أخصب الفترات التي مرت بها تجربة التشكيل المعاصر في السودان ومن أكثرها حراكا ًو أثارة للجدل . ولعل تعذر طباعة مشروع هذا الكتاب ونشره حتي الآن خير دليل على غياب آلية النشر (الطباعي) التشكيلي في السودان وخير دليل على بؤسها الذي يصل
إلى درجة العدم ولطالما كان السبب في ضعف النشر التشكيلي يرجع – ولسنوات عديدة – إلى ندرة التأليف في مجال الأدب التشكيلي. ولكن بقاء مشاريع الكتب المذكورة في حالتها المخطوطة وتعذر نشرها ورغم المحاولات العديدة التي بُذلت لا يدحض سبب (الندرة) وحسب، بل يفصح ويشير إلى سبب أهم، ألا وهو عدم حماس المؤسسة الثقافية الرسمية وغيرها من ممولين وناشرين – في القطاع (الأهلي) الخاص – لمثل هذا النوع من الإصدارات. والدليل على ذلك أن الكتاب
الوحيد الذي تم نشره لتشكيلي سوداني وفي التشكيل وبعد حوالي خمسين عاماً من كتاب (قرينلو) الأول، نجده قد صدر عن ناشر غير سوداني وخارج السودان وهو كتاب ((أثر العقيدة في منهج الفن الإسلامي)) للدكتور/ مصطفي عبده وقد كان ذلك في عام 1990م ويعتبر هذا الكتاب إضافة حقيقية، ليس للمكتبة السودانية وحسب، بل للمكتبتين العربية والإسلامية وهو أول كتاب يتم نشرة لمؤلف تشكيلي سوداني، ولعله من دواعي سرورنا ـ وبعد حزن طويل ـ أن يلى هذا الكتاب
صدور تسع كتب أخرى لنفس المؤلف وعلى نحو زمني نجد فيه أن ثلاث منها صدرت عن جامعة النيلين (بالخرطوم) في الأعوام 94/95/1996م وعلى التوالي وهي :
1- ((الدين والإبداع من خلال التصور الإسلامي للفن)).
2- ((دور العقل والإبداع)).
3- ((مدخل إلي فلسفة الجمال ـ نقدية وتحليلية وتأصيلية)).
كما نجد أن الست المتبقية منها، صدرت كلها عام 1999م وعن مطبعة مدبولي بالقاهرة وهي :
4- ((الوثنية والأديان)).
5- ((النحت والتصوير بين الإباحة والتحريم )).
6- ((الإسلام يحرر الفن من القيد الوثني والأسر الكهنوتي)).
7- ((فلسفة الأخلاق ـ مقدمة لإخلاق عملية)).
8- ((فلسفة الجمال)).
9- ((الفن بين الإباحة والتحريم)).
وفي ذلك نجد أن د. مصطفي عبده – وبصفته كفنان باحث – قد رفد مكتبتنا السودانية، بل المكتبة العربية والإسلامية، عموماً، بموضوعات يتطلب تناولها ومعالجتها صفات ثلاث في غاية الأهمية لمن يتصدى لمثل هذه الموضوعات التي يتقاطع فيها الفن مع الدين وهي :-
1/ صفة مسلم (متفقه).
2/ صفة فنان تشكيلي (نحات).
3/ صفة باحث علمي. والتي نجد أنها توفرت في شخص المؤلف وأعانته في التصدي لمثل هذه الموضوعات المثيرة للجدل والتي يتهيبها الكثيرون؛ لا لشئ، سوى عدم توفر تلك الصفات الثلاث، مجتمعة، لدى من يفكر في الكتابة فيها .
وأخيراً، لعل أهم ما في هذا العرض الذي تناول غياب الكتاب التشكيلي وندرة الكتب التي قام بتأليفها تشكيليون سودانيون والصعوبات التي واجهت وتواجه نشرها، هو أن نسعى لمعرفة الأسباب التي تحول دون حماس الناشرين والممولين لمثل هذه الكتب والتي تمنع التشكيليين السودانيين من الكتابة والتأليف وتحول دون كتابة تجاربهم الخاصة ورؤاهم الجمالية ونظراتهم الفلسفية في الفن والحياة، وأن نفكر أيضاً في الكيفية التي يمكن بها دفع المؤسسات الثقافية الرسمية
وإقناعها في إتجاه تحمل مسئولياتها في التخطيط والإنفاق علي المشاريع الثقافية وحثها على تشجيع الثقافة التشكيلية وخاصة ما يتعلق بنشر الكتب وإصدار المجلات.
النشر التشكيلي في مجال ثقافة الطفل (كتب ومجلات سودانية للأطفال):-
لعله من المعروف الدور الهام الذي يقوم به الفنانون التشكيليون في مجال ثقافة الطفل، وخاصةً ما يتعلق بنشر المعرفة العلمية المبسطة للأطفال (في السودان) والتي تقدم في قوالب فنية وبطريقة منهجية تستخدم جماليات الرسم والتصميم الفني، الشئ الذي يتطلب دور الفنان التشكيلي وبشكل يفوق دور النص وكاتبه ولهذا نجد أن أفضل الانتاج الثقافي المقروء الذي يقدم للأطفال ـ وحسب ما هو متعارف عليه عالمياً ـ هو الذي يضطلع الفنان أو الفنانون التشكيليون
بمهمة تأليف نصه وتصميم وسائله الإيضاحية (من رسم وتلوين وتصميم فني وتكوين) في آن واحد. وهذا ما نجده يتمثل في عديد من التجارب السودانية التشكيلية في مجال النشر الطباعي لثقافة الطفل في السودان والتي ترجع بداياتها الأولى إلي معهد بخت الرضا ودار النشر التربوي حيث قام بعض التشكيليين السودانيين بتأليف وتصميم العديد من الكتب المدرسية المقررة، ونذكر منهم في هذا المجال طيب الذكر الأستاذ إبراهيم ضو البيت، الذي يعتبر الرائد التشكيلي
السوداني (الأول) في مجال النشر الثقافي التشكيلي الموجه للأطفال وقبل ظهور جهاز التلفزيون في السودان بحوالي عقدين من الزمان، كما يجدر بالذكر وفي نفس المجال، الدور الذي قامت به أجيال من التشكيليين عبر مجلة الصبيان التي تعتبر أول مجلة للأطفال على مستوى العالمين العربي والأفريقي، لكننا – وللأسف الشديد - نجد أنَّ هذه الأدوار قد تقلصت وانحسرت، إذ إختفت من الوجود كتب ومجلات الأطفال السودانية مثلما إختفت من المدارس حصتي القصة
والفنون، وأصاب نشر مجلة الصبيان كثير من الإضطراب وعدم الإنتظام في صدورها. مما إنعكس هذا على مستواها الفني الذي بدلاً من أن يصيبه التطور والنمو نجده قد تدني كثيراً. وبذلك فقدت المجلة قدرتها على المنافسة وعلى جذب إهتمام قرائها من الأطفال السودانيين، فانفضوا من حولها خاصة في وجود سيل من المجلات الأجنبية شديدة الإغراء ونافذة في التأثير على أي طفل، مهما كان جنسه ومهما كانت لغته وثقافته وذلك بسبب جاذبيتها التشكيلية الناتجة من
جمال الرسم والتلوين والتصميم الخاص بموضوعاتها ومن إخراجها الفني المتطور. ولكن مع هذا الواقع وصعوباته العديدة التي أحاطت بثقافة الطفل وخاصة فيما يتعلق بعملية النشر (الطباعي)، نجد أن بعض التشكيليين ومثلما أوجدوا منفذاً لعرض أعمالهم الفنية قد أوجدوا ـ أيضاً ـ منفذاً خارج السودان لإصدار كتاب الطفل، وقد تم بالفعل ـ ولتشكيليين سودانيين ـ نشر ما يربو على الخمس وعشرين كتاباً، صدر حوالي أربعة وعشرين منها عن دار غراندير بفرنسا
والتي نجد أن اثنان وعشرون منها – أي معظمها – للفنان التشكيلي د.حسن محمد موسى الذي له الإسهام والحصة الأكبر في مجال النشر الثقافي التشكيلي الخاص بالكتب الموجهة للأطفال وهذا علماً بأننا في السودان لا نعرف سوى كتابه ((حكاية السمحة فاطمة والملك الغول)) الذي صدر في طبعتين، الأولى عام 1977م عن دار جامعة الخرطوم للطباعة النشر والتأليف والثانية عام 1999م عن المؤسسة العامة للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان (الخرطوم). أما الكتب
الثلاثة المتبقية التي صدرت عن دار (غراندير) بفرنسا، فهي للتشكيليين عبد الله محمد الطيب وصلاح المر وحسان علي أحمد الذي صدر له كتاب آخر عن مركز الدراسات السودانية بالقاهرة .
المجلة :-
لعله لا يخفي علي أحد الغياب التام الذي تسجله ـ عموما ًـ المجلة الثقافية في حياتنا وخاصة في العشر سنوات الأخيرة التي تم فيها توقف بعض المجلات التي كانت تصدر بانتظام أو التي لم يتوقف صدورها لفترة أو فترات طويلة كما حدث لمجلتي (الخرطوم) و(الثقافة السودانية) اللتان كانتا تتيحان مساحات مقدرة لنشر الأعمال الفنية التشكيلية ولنصوص الأدب التشكيلي. ولعلنا لا نسـتثنى ـ هنا ـ سـوى مجلة (كتابات سودانية) التي يصدرها مركز الدراسات السودانية
منذ سنوات والتي غطت بالفعل فراغاً كبيراً من فرغات الغياب الثقافي الذي يعيشه المجتمع السوداني حالياً في مجال النشر الدوري للمطبوعات. أما بالنسبة للمجلات المتخصصة في مجال التشكيل وكما هو معروف فإن تجربة الصحافة السودانية وعلى مر تاريخها؛ لم تعرف إصدار مجلة أو دورية من هذا النوع على غرار بعض المجلات الثقافية المتخصصة التي صدرت في السودان، كـمجلة (رسالة الفنون) التي كانت تصدرها شعبة الفنون ببخت الرضا و(مجلة القصة) التي أصدرها
في الستينيات من (القرن الماضى) الأستاذ/ عثمان علي نور ومجلة (وازا) المتخصصة في الفلكلور والتي يصدرها معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم . لذلك فلا مجال للحديث عن مجلة بعينها صدرت متخصصة في التشكيل لأنها في الواقع لم تر النور حتى الآن ورغم المحاولات التي تمت في هذا الصدد. ونكتفي هنا بذكر آخر محاولة قام بها الإتحاد العام للفنانين التشكيليين السـودانيين في دورته الحالية (2001ـ 2003م) لإصدار مجلة (تشكيل) التي
وضع دراسة وافية لمشروع إصدارها وقدمها لمجلس الصحافة والمطبوعات، لكن . . تعذر نشر هذه المجلة ـ في حينها ـ نظراً لرسوم التصديق الباهظة التي قررها المجلس المذكور، كشرط للإصدار. كما يجدر بنا ذكر المحاولات التي ظهرت بين حين وآخر ـ داخل السودان وخارجه ـ والتي نظراً لضعف التمويل ولأسباب أخرى نجدها استعاضت عن صيغة وشكل المجلة؛ بنشرة، يسهل إعدادها ولا يشكل إصدارها عبئاً كبيراً، ومثال لذلك نشرة (منظور ) التي كان يصدرها في الخرطوم
وفي فترة الثمانينيات (من القرن الماضى) الفنان التشكيلي (النحات) علي الأمين. ونشرة (جهنم) وهي إختصار لشعارها ((جريدة الهدم النقاد والمعارضة)) التي يصدرها من فرنسا ومنذ سنوات، الفنان التشكيلي (الرسام) د.حسن محمد موسي والتي يغلب عليها المقال والموضوع التشكيلي بصورة أساسية، ورغم أن إسمها وشعارها لا يوحيان أو يدلان على ذلك. كما تجدر الإشارة إلى مجلة الدستور (اللندنية)، وذلك لأهميتها في نشر وتوثيق عدد كبير من المقالات التي
تناولت موضوعات شتى في الفنون وفي التشكيل بوجه خاص ونجد أن أبرز من كتب فيها ـ عن التشكيل والتشكيليين السودانيين ـ الأستاذ إبراهيم العوام، وخاصة في فترتي السبيعينيات والثمانينيات (من القرن الماضى).
الصحيفة والنشر التشكيلي في الصحف السودانية :
لعله من المعروف أنه لم تصدر في بلادنا أية صحيفة خاصة بنشر الأدب التشكيلي وترويج الأعمال الفنية التشكيلية، بإستثناء بعض الصحف والمطبوعات الخاصة بالكاريكاتير، التي ظهرت خلال عقد التسعينات من القرن الماض ، ويمثل ظهورها واحدة من تجارب الصحافة الرائدة فى السودان التى اتاحت إمكانية النشر المتواصل لعدد غير قليل من المبدعين السودانيين فى مجال الكاركاتير، بيد انَّها لا تلبى إمكانات هؤلاء الفنانين وطموحاتهم الخلاقة، إذ نجدها تفتقر
لرصانة الأثر التشكيلى وجمالياته المطلوبة. ويرجع السبب فى ذلك إلى المعوقات المعهودة المزمنة فى العمل الصحفي سواء فى التمويل أوغيره، والتى يتزرع بها ملاك هذه الصحف الواسعة الإنتشار والذين يعولون على منطق الربح والسوق خصماً على القيمة الإبداعية. ولهذا السبب الذي يضاف لعدم وجود مجلة خاصة بالتشكيل نجد أنَّ معظم المساهمات التي قدمها تشكيليون وغيرهم في مجال الأدب التشكيلي قد تم نشرها في الصحف السودانية (السياسية، الإجتماعية،
الرياضية) التي حظيت بالقدر الأعظم من تلك المساهمات. ونذكر بعضاً منها وهي (الرأي العام، الأيام، الأضواء، السودان الجديد والصحافة) حيث نجد أن (الرأي العام والأيام والسودان الجديد) قد شهدت ـ تقريباً ـ وفي فترتي الخمسينات والستينات (من القرن الماضى)، أولى كتابات التشكيليين السودانيين وغيرهم من المهتمين الذين نذكر منهم وعلي سبيل المثال، كل من الأستاذ أيوب القدال والأستاذ مبارك بلال والدكتور أحمد الطيب أحمد والأستاذ سالم موسى
(أربعتهم تشكيليون ماعدا الثالث)، كما نجد أنَّ صـحيفة (الأيام) وفي فترة السبعينيات من (القرن الماضى) على وجه الخصوص، قد نشرت ووثقت للسجال النظري الذي كان دائراً ـ في تلك الفترة ـ بين أوساط بعض التشكيليين وغيرهم كما نشرت قدراً كبيراً من المقالات التي إتسمت بالعمق وبخصوبة الأفكار وحيويتها لعدد كبير من التشكيليين وآخرين سواهم بمختلف وجهات النظر التي كانوا يعبرون عنها. ونذكر منهم علي سبيل المثال عبد الله أحمد البشير (بولا)،
حسن محمد موسي، هاشم محمد محمد صالح، محمد حامد شداد، محمد عبد الرحمن أبو سبيب، أحمد الطيب زين العابدين، أحمد محمد شبرين، حامد يحيي الباشا، صلاح حسن عبدالله، محمد حسين الفكي، عز الدين محي الدين، صلاح حسن أحمد، فتح الرحمن خيرالله باردوس وأسامه عبد الرحيم).
كما نجد أن صحيفة (الصحافة) قد أتاحت أيضاً حيزاً مقدراً من صفحاتها لنشر الأدب التشكيلي (في السبعينات (من القرن الماضى) لكنه لا يرقى في حيوته وفي مقداره الكلى إلى ما نشر بصحيفة (الايام) ولعل الصحيفتان قد تساوتا في مقدار المادة الأدبية التشكيلية المنشورة بكل منهما في فترة الثمانينات (من القرن الماضى) أما في التسعينات وما تلاها فنجد أن ما نُشر بصحيفة (الصحافة) وحدها يفوق كل ما نشر من أدب تشكيلي – بصحيفة (الأيام) وكل الصحف السودانية
الأخرى وخاصة في عددها الأسبوعي المعروف ب ((عدد الثلاثاء المتميز)) حيث تم نشر عدد كبير من المقالات والحوارات، ومن التشكيليين الذين ساهموا بالكتابة (التشكيلية) المنتظمة في هذه الفترة نذكر على سبيل المثال كل من: (علاء الدين الجزولى نعيم، حسن محمد موسى، صلاح حسن عبد الله ومحمد حسين الفكي) ولكن مع ملاحظة أن حركة الحوار من خلال الكتابة لم يتسع مداها مثلما حدث في فترة السبعينات ولم تستقطب أسماءاً جديدة، لكتاب ومحاورين جدد، بل نجد
أنَّ الحوار والسجال فيها قد إنحصرا على أسماء من فترة السبعينات. فعلى العموم، وبالرغم من الإختلافات الواضحة التي تميزت بها كل فترة عن سابقتها إلا أننا نجد أن عملية النشر ـ عموماً ـ في الصحف السودانية ونشر الأدب التشكيلي والترويج للإنتاج التشكيلي قد صاحبته دائماً جملة من الصعوبات الحقيقية التي يواجهها الكتاب المتعاونون التي قد تكون ـ في معظم الأحيان ـ سبباً في عزوف التشكيليين عن الكتابة ونشر مساهماتهم في الصحف وهذا رغم
الحماس الذي يبديه بعض المحررين الثقافيين تجاه المادة الأدبية التشكيلية وتتمثل هذه الصعوبات في ما يلي :-
1/ عدم الدقة الكافية في طباعة النص الأصلي المراد نشره وما يترتب على ذلك بذل من جهد كبير يبذل في المراجعة والتصويب .
2/ ضعف الإهتمام بالصورة التي تشكل أهمية كبيرة بالنسبة للرسالة المرجوة من المادة أو المقال والتي لا تقل في قيمتها المعرفية والإعلامية عن قيمة النص المصاحبة له وخاصة بالنسبة لمقالات التشكيل .
3/ عدم وجود أرشيف (مصور)، مكتمل ويغطي على الأقل أهم متطلبات الموضوع الأدبي التشكيلي.
4 / عدم وجود أي حافز مالي للكتاب المتعاونين بانتظام.
5/ التعامل بنوع من الإستخفاف مع المادة الأدبية التشكيلية وفي كثير من الصحف السودانية؛ مما يترتب عليه نشر المادة بطريقة قد تخل بها أو تؤدي إلى تدميرها كليةً .
6/ عدم متابعة الصحف لإيقاع الحركة التشكيلية اليومي وعدم رصدها لحركة العرض والإنتاج التشكيلي المستمر .
7/ فقدان بعض الصحف لحاسة إستشعار أهم الأحداث والأخبار الثقافية التشكيلية وحكر مادتها الخبرية على أحداث وشخصيات تشكيلية بعينها .
8/ عدم وجود محررين ثقافيين متخصصين (في مجال التشكيل) بكل الصحف السودانية. كذلك عدم وجود مستشارين من ذوي الكفاءة والخبرة في مجال التشكيل للإستعانه بهم في تطوير التصميم والإخراج الفني بمعظم هذه الصحف.
9/ الإضرار بالذوق الفني العام فيما تنشر بعض الصحف معلومات خاطئة عن الفن العالمي وما تنشر من صور وأعمال تشكيلية هابطة في مستواها الجمالي وتقديمها كنماذج متميزة، تمثل أفضل ما وصلت إليه الخبرة التشكيلية في السودان. كذلك تكريسها (المجاني) لظاهرة النجومية لبعض الشخصيات الثقافية والتشكيلية ممن لا يوازي مستوى مساهماتها ومقداره حجم الشهرة التي خلقتها لها الصحف، وتجاهلها وإهمالها في نفس الوقت لعدد كبير من المبدعين (الحقيقيين) ومساهماتهم في
مجال الثقافة والتشكيل ممن لا تصلهم هذه الصحف في مقارهم وحسب بل لا تعرفهم في كثير من الأحوال كما نجد أن هذا النوع من المبدعين لا يصل الصحف أو يتقرب إليها. يصلونها بسبب تواضعه الشديد وعزوفه عن الأضواء والشهرة.
10/ نشر الصحف لأعمال الفنانين التشكيليين بصورة فيها كثير من التعدي على حقوقهم (دون أذنهم وبلا ذكر لأية معلومات عن العمل وصاحبه وكثيراً ما تنشر الأعمال بصورة مخلة تعبث بها مقصات (ترزية !) الصحف التي تعمل على قصقصتها وتجزئة تكويناتها !
11/ عدم وجود مساحات أو صفحات ثابتة خاصة بالتشكيل في معظم الصحف السودانية.
- ويجدر بالذكر هنا أن نشيد بالدور المتميز الذي لعبته في مجال نشر الثقافة البصرية التشكيلية كل من صحيفة (الأيام) في فترة السبعينات وصحيفة (الصحافة) في الفترة من نهاية التسعينات من القرن الماضى وحتى الآن، ولعلها الصحيفة السودانية الوحيدة إلى دأبت بإنتظام؛ وبحرصٍ شديد، على نشر الأعمال والنصوص الأدبية التشكيلية . بل أفردت لها صفحات ملونة وأنشات صالة للعرض التشكيلي بصفحتها الأخيرة .
(2) المطبوعات التشكيلية (المصاحبة للمعارض):
تعتبر المطبوعات التشكيلية المصاحبة للمعارض (الملصق/ الكتالوج أو المطبق/ بطاقة الدعوة) من وسائل النشر المرتبطة بإقامة المعرض وأيضاً من الوسائل التي توثق للعارض ولتاريخ المعرض ولنوعية الإنتاج الذي يتم عرضه. فهذه الوسيلة المركبة ومع أهميتها في تحقيق الشكل الأمثل للعرض الجيد ومع ما تؤدية من أدوار مختلفة في النشر والاتصال والتوثيق إلا أنها لا تستخدم وفي كثير من المعارض التي أقيمت بالسودان ويرجع ذلك إلى أربعة أسباب هى:
1/ عدم الوعي بأهميتها.
2/ ضعف التمويل، وهذا نظراً للكلفة العالية التي يتطلبها تنفيذ المطبوعات المصاحبة للمعرض وبعناصرها الثلاثة ومن حيث التصميم والطباعة والتوزيع.
3/ عدم الإهتمام بهذه العناصر الثلاث مجتمعة (الملصق/ الكتالوج/ بطاقة الدعوة) من قبل الجهات المضيفة والراعية لمعارض الفنانين التشكيليين والممثله في المراكز الثقافية الأجنبية والوطنية؛ التي ينسب للأولى - منها - النصيب والعبء الأكبر من جملة المعارض التي أقيمت في الخرطوم على مدى حوالي أربعة عقود من الزمان، نجد خلالها أنّ هذه المراكز إما ألا تتقيد بهذه العناصر مجتمعةً وإما أن تعد بعضاً منها، وغالباً ما تكون بطاقة الدعوة هي العنصر الوحيد
الذي تحرص عليه. وفي حالة أعدادها للعناصر الثلاثة، نجد أنَّ بطاقة الدعوة تستأثر بكل إهتمامها، من حيث مستوى التنفيذ وكلفته وبالنسبة للعنصرين المتبقيين نجدها ـ في الغالب ـ تستعيض عن الكتالوج بالمطبق، نظراً لكلفته المنخفضة، وربما لسهولة وسرعة إعداده، كذلك بالنسبة للملصق الذي تلجأ دائماً الي طباعته في حجمٍ صغير أو متوسط وبلون واحدٍ أو لونيين فقط ولنفس الأسباب .
4/ عدم إكتراث التشكيليين وقبولهم ـ على مضض ـ لشروط عرض المراكز الثقافية المضيفة لمعارضهم حتي ولو لم تستوف كل الجوانب المتعلقة بالمطبوعات المصاحبة للمعرض والخاصة بعناصرها الهامة الثلاث (الملصق/ الكتالوج/ بطاقة الدعوة).
ولعل أفضل الأمثلة التي يمكن ذكرها، والتي توفرت فيها كل عناصر العرض التشكيلي (السوداني) الذي حقق مستوى من الأداء الراقي المستوفي لكل الشروط، هي مثال: معرضى الرسم والتلوين الفرديان الذان أقامهما على التوالي، وبغاليري (دارا) بالخرطوم، كل من الفنان التشكيلي الأستاذ إبراهيم محمد الصـلحي في الفترة من 31 / أكتوبر إلي 30 / نوفمبر 2000م، الذي تكلفت بنفقات طـباعة كتالوجه شـركة (سيقا) للمطاحن والغلال. والمعرض الفردي للفنان التشكيلي ياسر
عبد الرحمن محمد أبو الحرم في الفترة من / ابريل إلى / مايو 2001م الذى تكفلت بنفقات طباعة كتلوجه كل من شركتى (ديزاين 2000) و (L H DESIGN Ltd) للتصميم الداخلى .
ومما لاشك فيه أنَّ هذان المعرضان قد قدما - بالفعل – نموذجا في العرض التشكيلي الجيد؛ المستوفي لكل الشروط الفنية، من حيث مستوى الأعمال التي عُرِضت وكيفية عرضها والإعلان عن المعرض قبل وقت كافٍ ولوسائل الإعلام المختلفة وما لقيه من إقبال كبير منقطع النظير ومن قبل الجمهور (السوداني) وخاصةً المعرض الأول، كذلك شكل الإفتتاح الذي اتخذ طابعاً شديد الرُقي، ثم كيفية إعداد المطبوعات المصاحبة للمعرض ـ وبغرض الترويج والتوثيق والتسويق وغيره ـ
من (ملصق وكتالوج وبطاقات دعوة وكروت بوستال . . . الخ)، وبشكل رفيع المستوى؛ لا أحسب أنَّ بلادنا قد شهدت مثله من قبل وعلى مر تاريخ حركة العرض الفني التشكيلي في الخرطوم و((لا يقل عن مستوى العرض في أفخم صالات العرض في أوروبا، بل قد يضاهيه)) وكما عبر عن ذلك صاحب المعرض الأول، الأستاذ إبراهيم الصلحي . ويجدر بالذكر أنَّ هذا المستوى الذي تحقق في تجربة هذين المعرضين، كان (سودانيا) في كل جوانبه. إذ نجد أن الأعمال التى تمَّ عرضها
وأنَّ منفذيها وصالة العرض وصاحبها كلها ذات هوية سودانية، كذلك الغالبية العظمي من الجمهور الذي ارتاد المعرضين كان من السودانيين. ويضاف إلى ذلك عملية التغطية والتوثيق الصحفي – بنوعية المرئي والمقروء - التي قامت بها أجهزة الصحافة والإعلام السودانية[12] وعلى أكمل وجه وبما يتناسب مع مستوى هذان
المعرضان ويرجع الفضل في ذلك ـ اولاً واخيراً ـ إلى صاحب غاليري (دارا) الفنان التشـكيلي الدكتور راشـد دياب، وزوجته الفنانه التشـكيلية، الإسـبانية الأصـل (ميرسيدس كارمونا MERCEDES CARMONA).
لعل أهم ما يمكن استخلاصه من هاتين التجربتين هو أنَّ الخبرة السودانية في مجال التشكيل وبما تتمتع به من كفاءات عالية وعلى أكثر من مستوى يمكن أن تقدم نموذجاً راقياً وشكلاً رفيع المستوي؛ في مجال العرض والنشر التشكيلي إذا ما توفرت لها المقومات اللازمة والتي أهمها ـ وبلاشك ـ هو التمويل، أي، (شرط الإنفاق المالي) الذي يهيئ وقبل كل شئ، مبني العرض الجيد، ومن ثم بقية الإحتياجات الضرورية الأخرى. ولعل ذلك يذكرنا بتجربة سابقة تمت فى معرض
الفنان والأفكار الذى أقيم عام 1980 ضمن فعاليات مهرجان الثقافة الثالث بقاعة الصداقة فى فترة مايو وأشرف على إعداده الفنان التشكيلى أحمد عبد العال تحت رعاية وزير الثقافة – آنذاك – الدكتور إسماعيل الحاج موسى. ولعل نجاح هذه التجربة بما وفرته من الإمكانات التى يتطلبها العرض الجيد دليل (سابق) يؤكد أنَّ الخبرة التشكيلية السودانية قادرة على إثبات جدارتها متى ما توفرت لها إمكانات التمويل. ومما لاشك فيه، أن تقصي اشكاليات العرض
الذي نعني به (نشر أصول الأعمال الفنية) يفتح باباً يقود لمجمل إشكاليات التشكيليين كما يحثنا – أيضاً- لتقصي ومعرفة جذر (المشكلة البصرية التشكيلية) ضمن المبحث العام للمشكلة الثقافية (في السودان). ومن الملاحظ أن أي حديث عن الثقافة البصرية التشكيلية ونشرها (في السودان) يفهم منه ضمناً – ولدى الكثيرين – أن المكان المعني بذلك والمستهدف برسالة النشر هو مركز الوسط ! وهو الخرطوم على وجه التحديد ! بيد أن رسالة النشر الثقافي (عموماً)
والنشر التشكيلي (بوجه خاص) وكما في أي بلدٍ آخر؛ ينبغي لها أن تكون رسالة ذات أهداف لا مركزية، أي بمعني ألاّ تقتصر على جهةٍ بعينها أو على مكان بعينه ومدينة بعينها، لذلك فإنَّ تكريس الإهتمام بالخرطوم وحدها واستئثارها بالقسم الأكبر من النشاط الثقافي؛ لا يبرره كونها عاصمة البلاد أو كونها مكان تواجد ضيوفها (من الأجانب) ولا تبرره الأهداف والغايات المرجوة من النشر الثقافي ودوره الذي يستهدف – بالطبع – تنمية المجتمع السوداني ككل ؛
وليس مجتمع الخرطوم فحسب. وهذا ما ينطبق على نشر الثقافة (التشكيلية) التي نجد أنَّ نشر نماذجها والترويج لتجلياتها المختلفة في السودان – والمخطط له بوعي مدرك لطبيعته وأهمية دوره – قد انحصر في الخرطوم وحدها وعلى مدى أكثر من نصف قرن، بداية من فترة ما قبل الإستقلال. بيد أنَّنا وفي الخرطوم نفسها (وبطولها وعرضها) نجده قد انزوى في مساحة محددة تقع في منطقتها القديمة (ما بين غربها وشرقها)* وداخل كلية الفنون الجميلة والتطبيقية وبعض المراكز الثقافية الأجنبية. فأي مقاصد مؤملة؟! وأي دور يرجى من النشر الثقافي (التشكيلي) وهو بهذه الحالة المحصورة؛ المنزوية؟!. لذلك، ونظراً لحالة واقعنا السوداني الذي يعاني من الفوضى التشكيلية والتلوث البصري ومثلما يعاني الناس فيه من آفة الفاقة وشتي صنوف الأمية؛ لا مناص
من الخروج من حالة النشر المحصورة في (مركز الخرطوم) ومن حالة إنزواء التشكيل والتشكيليين بالخرطوم شرق وفي (صالات المراكز الثقافية) ولا مناص – أيضاً- من التفكير في بانوراما المشهد البصري، وعلى إمتداد البيئة والوسط وكل فضاءات الأمكنة التي نحيا ونعمل فيها، وإعتبارها الوسيلة الأكثر أهمية، والأكثر خطورةَ. ومن المهم – أيضا - معرفة الأسباب التي شكلت هذه الأوضاع العجيبة المتناقضة والتي جعلت من مدينة واحدة كالخرطوم ؛ مركزاً لنشر
أصول الإنتاج الفني التشكيلي، ويُراد مما تقدمه – فقط – القيام بمهمة إزالة الأمية البصرية عن كاهل عموم أهل السودان في الأرياف والبوادي والصحاري والغابات والفيافي وبقية المدن الأخرى الذين لم ير معظمهم مدينة الخرطوم إلى وقت قريب، هذا وناهيك عن معرفتهم للطريق المؤدي إلى (معهد جوته أو إلى مركز فريدريك كايو)**.
أو ما شابه ذلك.
(ح) الأشكال والصور التشكيلية المتحركة: (في مجالات المسرح، السينما، التلفزيون، الكمبيوتر والأنترنت).
يعتبر مجالي السينما والتلفزيون من الوسائل التشكيلية التي تستخدم تقنية وهم الصورة (Image) البصرية التشيكيلية، المجسمة، المتحركة والثابتة التي يتم عرضها وتقديمها للمشاهد في إطار عام هو أيضاً متحرك من مشهد إلى آخر ومن فاصل إلى آخر ومن لقطة إلى أخرى، بحيث نجد أن كل واحد من هذه المشاهد والفواصل أو اللقطات يتكون من جملة علاقات
لمكونات بصرية تشكيلية متحركة تتآلف في نسق (مونتاج) يقتضيه تكوين المشهد أو الفاصل أو اللقطة (الجزئي) كما نجد أن هذه الأجزاء يتم ربطها ببعضها البعض بطريقة المونتاج المعروفة والمستخدمة في الغالب في مجال السينما وفي التلفزيون لخلق وحدة عامة للتكوين ولجملة المشاهد الجزئية ولإعطاء فكرة معينة ولتبليغ رسالة ما بعناصر التشكيل المختلفة والمستخدمة بشكل أساسي في هذه المجالات كالضوء والشكل واللون والكتلة والحركة مع وجود فارغ واحد بين
المجال الأول والمجالين الآخرين، يتمثل في أن الأول يعرض كائنات وأشياء حية على الخشبة في حالة وجودها الحقيقي الملموس بينما يعرض المجالان الآخران صورة المكونات والأشياء أي (وهم الكائنات) الذي يشكل موضوعاته التشكيلية. وعلى العموم تعتبر هذه الوسائل الثلاث من أهم وسائل النشر والتثقيف الجماهيري وأخطرها وخاصة وسيلة التلفزيون وذلك نسبة لإنتشارها الواسع وللتعامل اليومي معها ولإرتباط عملية بثها بتدفق الصور والمعلومات النصية التي
تضخها يومياً وعلى مدار الساعة، شبكات الأنترنت. ولعل أبلغ تعبير عن خطورة دور هذه الوسيلة التي اقتحمت كل بيت في العالم وكل مكان بواسطة الصورة الملونة التحركة وقدت بالتالي أكثر جذباً وإبهاراً وأكثر تأثيراً في تشكيل ثقافة الناس وصياغة وعيهم واتجاهاتهم ومنذ الطفولة الباكرة، هو ما جاء في عبارة لأحد علماء التربية، يقول فيها: (إن أخطر ما في هذا العصر، أن صار للطفل ثلاثة آباء هم، أمه وأبوه والتلفزيون. فما هو يا ترى حال الأب الثالث
للأطفال السودانيين؟ وماذا يمكن أن يقال حال هذه المجالات في بلادنا ؟ والتي نجد أن الأول والثاني منها (المسرح والسينما) يمثلان خير تمثيل حالة التردي والبؤس الثقافي التي تمر بها بلادنا في السنوات الأخيرة أما المجال الثالث (التلفزيون) فنجده على خصام مع الفن ومصاباً بآفة (البروباقاندا الكضابة) على حد تعبير الفنان التشكيلي والخبير الإعلامي الأستاذ إبراهيم الصلحي تلك البروباقاندا التي تستخدم أجمل ما في الواقع البائس من صور ملونة
زاهية وتعرضها بكيفية تربك المشاهد القريب وتشوش على تفكيره ووعيه كما تضلل المشاهد البعيد وتوهمه بأن، هذا الواقع البائس، فردوس أرضي ولعل أفضل واخر دليل على خطل التخطيط في مجال استثمار هذه الوسيلة الخطيرة وسوء استغلاها وبما لا ينفع الناس هو تلك الإجراءات المتعسفة التي بموجبها تم الإستغناء عن بعض الكفاءات المهنية ذات الخبرة الطويلة التي كانت تعمل بتلفزيون السودان مما يعني أن سيف منطوق (أهل الثقة والولاء) ما يزال مسلطاً في وجه
(أهل الكفاءة والخبرة) وعلى رقاب المتلقي المشاهد السوداني الذي سيتضرر من ذلك أولاً وأخيراً، وهذا ما يدعونا كفنانين تشكيليين وكمواطنين بالتفكير بشكل جاد بماهية السبل والحلول التي يمكن أن تقودها للإرتقاء لأداء المسرح والسينا والتلفزيون في السودان باعتبارها وسائل تشكيلية هامة، يعول عليها بصرياً في تنمية الذوق الجمالي العام .
ولعل الحديث عن أهمية ثقافة الأشكال والصور المتحركة يقودنا بالضرورة للنقلة النوعية الكبيرة التي تمت في هذا المجال وفي العقود الأخيرة وأعني بها بث ونشر ثقافة الصورة الإلكترونية عبر الأنترنت التي نجد ورغم إتصال بلادنا ببقية أنحاء القرية الكونية عبر الأنترنت ورغم الأنتشار النسبي لأجهزة الكمبيوتر في السودان ومؤخراً، إلا أن هناك بعض العقبات التي تحول دون إمكانية الأستخدام الأمثل لهذه الوسائل (غلاء الأسعار، الترخيص، الرسوم، الجمارك،
التدريب .. إلخ) ولعل هذا ما يفسر أن أول وأميز المساهمات السودانية في عمل مواقع الأنترنت الخاصة بالتشكيل قد جاءت من الخارج ، كموقع ( Artists Gallery Sudanese) الذي تشـرف عليه التشـكيلية السـودانية (إيمان شقاق) وموقع آخر يشرف عليه الدكتور صلاح الجرق وكلاهما مقيم بأمريكا. كما تجدر الإشارة بمواقع أخرى خاصة بالتشكيل
(السوداني) وهي موقع مركز (شبرين) للفنون وموقع غاليري (دارا) كما هنالك موقع آخر للفنانة التشكيلية (آمنة عبد الله) ولعله الموقع الوحيد الخاص بفرد وبالتشكيل (السوداني) الذي ورد ذكره في (دليل الأنترنت في العالم العربي 2002) الصادر عن الدار العربية للعلوم ومركز التعريب والترجمة / ص 120.
(ط) وسائل التشكيل ذات الهيمنة على الفراغ: (المعمار، التصميم الداخلي، التصوير الجداري، النحت الميداني)
لعله من نافلة القول الحديث عن أهمية كل من هذه المجالات بإعتبارها وسائل تلعب دوراً كبيراً (سلباً أو إيجاباً) في التأثير على الذوق الجمالي العام وعلى نطاق واسع وذلك لسببين أولهما: بسبب هيمنتها على الفراغ المحيط وثانيهما: بسبب ديمومته ولعل هذان السببان مقروءان على واقع المشهد البصري في بيئة الوسط (التشكيلي) في السودان هما من أهم الأسباب التي دعت لظهور بيان الحديقة التشكيلية في السودان والذي يطرح مشروعاً خلاقاً لمجابهة (فيروس
القبح) المستشري في كل فضاءات الأمكنة في بلادنا. وفي هذه المجابهة يعول كثيراً على الإهتمام بوسائل التشكيل التي يميزها عن سواها سلطتها المسيطرة على الفراغ والآسرة، لا في حالة جمالها بل في حالة قبحها أيضاً، لكل عين، ولكل من يشغر فضاءات هذا الفراغ أو الفراغات وبسبب ضخامة حجومها المهيمة على مجالات الرؤية. لذلك لا غرو أن ندعو وكل حادب يهمه الأمر في شأن التخطيط الثقافي والعمراني (الجمالي) للإهتمام بهذه المجالات على مستوى الممارسة
التشكيلية بالخروج من إطار قاعة العرض ضيقة الآفاق والمحدودة التأثير وعلى مستوى الدراسة والتعليم الأكاديمي الذي نجده وللأسف الشديد لا يولي أهمية كبيرة إذ نجد أن كليات الفنون التشكيلية في السودان وعلى راسها كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بجامعة السودان للعلوم والتكنلوجيا وكلية المعمار بجامعة الخرطوم وبإعتبارهما من الكليات الرائدة، لم تهتم بتعليم التخصصات التي نسميها بتخصصات ووسائل التشكيلي (ذات الهيمنة على مجال الرؤية
والفراغ) كالمعمار والتصميم الداخلي والتصوير والنحت الجداري والنحت الميداني وعلى مدى سنوات ومنذ إنشائهما ولعل هذا ما يفسر فقر بلادنا جمالياً وخواء فضاءاتنا وبؤس جدراننا وخلوها من المعمار والأساس الجميل ومن الجداريات والمنحوتات الميدانية. فالناظر في حيزات الواقع السوداني وفضاءاته يلحظ المفارقة الكبيرة بين هذا الواقع وبين تراث التشكيل السوداني وخبرته المتراكمة منذ آلاف السنين والتي خبرت هذه الوسائل في ماضيها البعيد إذ نجدها
قد شادت المعمار الجميل في المباني الدينية والسكنية وصممت الأساس الراقي وزينت الحيزات بروائع من التصوير الجداري وأقامة النصب والتماثيل الميدانية البديعة وهذا ما نجد أثره شاهداً في مواقع الآثار التاريخية وفي بعض متاحفنا مما كان له تأثير كبيرفي تجميل بيئة الناس وحياتهم في تلك الأزمنة البعيدة. ومما يؤسف له أننا في بلد يملك هذا الأرث الزاخر وهذه الخبرات المتوارثة قد أفضى بنا الحال إلى واقع تتطبع فيه الناس على خواء فضاءاته من
مظاهر التشكيل الجميل ذو الحجوم مما أفضى بنا أيضاً إلى ظاهرة التطبع على حالة القبح التشكيلي المتجلية في مظاهر التشكيل المختلفة في السودان. لقد طرح بيان الحديقة التشكيلية جملة من الحلول والمقترحات التي تركز على استخدام وسائل التشكيل ذات الهيمنة على مجال الرؤية والفراغ كما يدعو للإهتمام بدراستها وتعليمها في مؤسسات التعليم الخاصة بالتشكيل وهنا يجدر بنا أن نثمن عالياً إنشاء أول قسم للتصميم الداخلي في السودان بكلية الخرطوم
التطبيقية وقسم التصميم الداخلي الذي أنشئ مؤخراً بكلية الفنون اجميلة والتطبيقية والذي نأمل أن يلحقه إنشاء قسم للتصوير والنحت الجداري.
أولي محاولات النشر / التوثيق الثقافي (الرسمي) في السودان :
لعل أولى المحاولات الرسمية الجادة في مجال النشر/ التوثيق في السودان – وفي تاريخنا المعاصر – كانت في فترتي الدولة المهدية، الأولى والثانية، أي في عهد الإمام محمد أحمد المهدي وعهد خليفتة عبدالله التعايشى إذ نجد أنها في الفترة الأولى تمثلت – أساساً- في منشورات المهدي وفي الفترة الثانية التي يصفها د. محمد إبراهيم أبو سليم في كتابه (أدباء وعلماء ومؤرخون في تاريخ السودان) يصفها بحركة الإهتمام النشط بنشر وتوثيق أدب الحركة المهدية
ويعزيها إلى ((. . . الحالة النفسية التي تولدت عن وفاة المهدي. وقد هدفت إلي جمع آثاره المكتوبة والمقولة بغرض المحافظة عليها، كما هدفت إلى نشر ما يمت إلى مهديته بصلة، بغرض توطيد الدعوة والإبقاء على جذوتها متوهجة))* وقد أسفرت هذه الحركة عن عدد من الإنجازات الهامة، ولعل مستشار الخليفة عبد
الله ومساعده (الأزهري)، إسماعيل عبد القادر الكردفاني صاحب كتاب (سعادة المستهدي بسيرة الإمام المهدي) الذي صدر بعد وفاة الإمام محمد أحمد المهدي ويعتبر من أولى الإنجازات في مجال النشر (آنذاك)، قد كان وراء هذه الحركة، التي عبرت عن درجة كبيرة من نضج الحس الوثائقي؛ أو بالأحرى إدراك واستشعار أهمية النشر والحفظ، بغض النظر عن محدودية المجال والفترة التاريخية التي إهتمت بها وبغض النظر عن الأسباب والدوافع التي دعت لذلك. ومما يدعو
للزعم بأنه كان وراء تلك الحركة وصاحب فكرتي النشر والتوثيق، أنه قام بتأليف كتابين كرسهما للترويج لفكرة المهدية ولدعم خلافة عبد الله التعايشي. ونجد أن أحدهما قد تم ذكره آنفاً. ولعلنا نحن ـ الآن ـ وكمواطنين سودانيين وبغير أن نكون تشكيليين ؛ في حالة (نفسية !) أشبه بتلك التي أعقبت وفاة المهدي وفي حاجة مضاعفة لتنمية الحس الوثائقي، ولقدر من الحساسية الجمالية لا يقل عن الحساسية السياسية التي تمتع بها الخليفة عبد الله ومستشاره
إسماعيل الكردفاني والتي ما تزال تطغي علي سواها في منهج التفكير الرسمي – وغير الرسمي – في بلادنا، فما أحوجنا الآن لحساسية من نوع آخر تجاه الثقافة عموماً وتجاه التشكيل (بوجه خاص) وأهمه ـ بالطبع ـ ما يتعلق بضرورة النشر والتوثيق التشكيلي – موضوع سمنارنا هذا – وما احوجنا لقيام حركة جادة، نأمل أن يتمخض عنها – وعملياً - قيام مؤسسات فاعله تضطلع بمهام الرصد والجمع والنشر والتوثيق والحفظ للأدب التشكيلي في بلادنا ولتراثها الفني
المادي، قديمه وحديثه .
تجربة رائدة في البناء المؤسسى لنشر المعرفة الثقافية التشكيلية :
لعل ثاني المبادرات الجادة في مجال النشر الثقافى وفي تاريخينا الحديث والتي تعتبر في ذات الوقت أولى المبادرات الجادة فى مجال البناء المؤسسى - الرسمى – للنشرالتشكيلي في بلادنا ؛ تلك التي تنسب لـ(جان بيير قرينلو) (JEAN PIERRE GREENLAW) الذي يشهد – بدوره هذا – أحد معاصريه من روادنا التشكيليين ألا وهو الإستاذ/ تاج السرأحمد الذي
نجده يقول في ذلك : ((إنَّ هذا الرجل الخير؛ أحب السودان حباً صادقاً وكان أحد أعمدة التعليم الأساسي في بخت الرضا، وليس أدل على هذا الحب من المصداقية التي تعكسها رسوماته ذات المذاق والنكهة السودانية.))[13] وفي الواقع لم يقتصر دور قرينلو على تأسيس منهج التربية الفنية في بخت الرضا وحدها بل نجد
أنَّ دوره كان يستهدف أساساً تنمية الذوق الفني والحس الجمالي للمواطن السوداني، ونجده لتحقيق هذه الغاية، قد إهتم بخلق قنوات فاعلة لتوصيل المعرفة والخبرة الجمالية التشكيلية، وبشتى الوسائل والطرق ووفق خطة ومشروع إستهدف خلق هرم لبنية معرفية أكاديمية للفنون التشكيلية في السودان؛ قاعدته صممها بحنكة فائقة لتبدأ من مرحلة التعليم الأساسي وتنتهي قمته بمدرسة التصميم بكلية غردون التي كان ينوي تطويرها (أي مدرسة التصميم) لتضم قسماً
للعمارة. ونجده لتشييد هذا الهرم (المؤسسي) – الناشر للمعرفة التشكيلية – قد ساهم بوضع اللبنات الأولى لتصميم المقررات الدراسية ببخت الرضا ووفق منهج – فني – غير منظور، قصد منه بث روح التذوق الجمالي الفني وقيم التربية الفنية في نفوس التلاميذ ومدرسيهم وعلى حد سواء، وهذا ما نلمسه – مثلاً – في كتابه (سبل كسب العيش في السودان) ونلمسه في كتابه الذي وضعه في التربية الفنية بعنوان (الرسم والأشغال اليدوية لمعلمي المدارس الأولية) الذى
صدر من جزئين، وهذا غير إسهاماته الأخرى التي استهدفت – أيضا – نشر المعرفة والخبرة الجمالية التشكيلية، والإرتقاء بهما، وبشتي الوسائل والطرق، و((هو الذي بدونه لم يكن ممكناً وجود (مكتب النشر) أو (مجلة الصبيان تأسيس) وملحقاتها، وكثير غير ذلك وليس أقله وجود كلية الفنون التي ينسب له فضل تأسيس نواتها ـ الأولى ـ مدرسة التصميم ((SCHOOL OF DESIGN في منتصف الأربعينات، بالمدارس العليا، بكلية غردون التذكارية، وهو الذي جعل دراسة أبنية سواكن في صلب تدريب الطلاب))2 وغيرها؛ وكما في هذه الشهادة التي يقول فيها الأستاذ / تاج السر : ((وسوف لا أنسى ما حييت عدداً من المعارض كان يقيمها الرجل· في بعض دور العاصمة الإجتماعية، كدار الثقافة في مكانها في شارع غردون وفي مكان آخر في نادي العمال بالخرطوم وكان ذلك في عام 48/ 1949 وأنا لازلت في المدرسة الوسطي))
3
تجربة ثانية في بناء المؤسسي:
لعل ثاني المبادرات الجادة في مجال البناء المؤسسي (الرسمي) للنشر التشكيلي، تلك التي تنسب لتلميذ (جان بيير قرينلو)، الفنان (إبراهيم محمد الصلحى) الذي نجده قد ترسم خطا أستاذه، في إهتمامه بسد الفجوات في ماهو قائم في بنية المؤسسات الثقافية بأفق أكثر رحابة. إذ إمتد إلى الإهتمام بالفلكلور والتراث الشعبي والتفكير في أهمية جمع ورصد الإنتاج التشكيلي، كبداية تمهد لقيام متحف يضم هذا الإنتاج ويحفظه. لكن هذا التفكير لم يبلغ مداه المطلوب وبما
يوازي ما تم في مجال الفلكلور (مثلاً)، ولم يترجم إلى أقامة أي من البنيات الأساسية التي تعوزها حركة الإنتاج التشكيلي (كالمتاحف وصالات العرض وأقسام التوثيق). ولعلنا هنا نكتفي بتسليط الضوء على بعض المبادرات والإسهامات التي كان وراءها أفراد تمتعوا بالإستنارة الكافية وذوو معرفة بالتشكيل وكانوا قريبين من السلطة (الوطنية) ومراكز إتخاذ القرار أو تقلدوا مناصب رسمية (أمثال الأساتذة أحمد محمد شبرين، المرحوم شفيق شوقي، بسطاوي بغدادي،
إدريس البنا، إبراهيم محمد الصلحي وأحمد عبد العال) وخاصة الأول والرابع والخامس والسادس منهم .
لكننا نجد أنَّهم لم يستثمروا قربهم من مراكز السلطة وتلك المناصب (المرموقة) التي تقلدوها لما يحقق أشواق التشكيليين والمثقفين السودانيين في إقامة البنيات الأساسية للتشكيل أو على الأقل بعضاً منها. ولهذا جاء اهتمامنا بمثال الأستاذ (إبراهيم الصلحي)، بإعتبارة (المسئول) التشكيلي الوحيد الذي أنجز بعضاً من المشاريع الكبيرة وليس كلها، ولقناعتنا التامة بأهمية الدور الكبيرالذي يمكن بل من المفترض أن يلعبه (المسئول) التشكيلي الذي يتقلد
منصباً مرموقا في الدولة وخاصة في صناعة القرارات وصياغة القوانين وتشريع اللوائح الخاصة بالثقافة والحرص على تنفيذها. ولاسيما التي تتعلق بالبناء المؤسسي للنشر التشكيلي.
تجربة ثالثة ورابعة (فى تصحيح المفاهيم ونشر الوعى الجمالى):
لعل مثال من نوع آخر ينبغي أن نسوقه وهو يتعلق ببناء الوعي الجمالي التشكيلي، لكنه خارج أطر المؤسسة الرسمية ومرافق التعليم المدرسي الأكاديمي وهو ينطبق – لا على فرد من الأفراد – بل على المساهمات المتراكمة التي ظل يقدمها الإتحاد العام للفنانين التشكيليين وعلى صعيد نشر المعرفة التشكيلية وفي البحث عن أنجع السُبُلْ لذلك؛ ومنذ نشأة نواته الأولى (إتحاد الفنون الجميلة السوداني) في الأربعينات ورغم ما إعتور كيانه، ووجوده، ونشاطه؛ من هنات ومن
توقف وتوقيف، وإنقطاع، في بعض الفترات، وعلى مدى حوالي أكثر من نصف قرن. ولعل من أميز المساهمات التي تمثل التجربة الثالثة التي تصدت لعلل حياتنا التشكيلية، ولفض اختناقات النشر، وأزمة المعرفة التشكيلية، وعلى مستوى الكتابة النقدية وتشريح المفاهيم الخاطئة المتصلة بالتشكيل، تلك التي تنسب لجيل السبعينات من التشكيليين. وعلى مستوى الأفراد، لعل أميز الإسهامات النقدية الخلاقة التي صاحبها بإستمرار تقديم أعمال موازية للمفاهيم البديلة
المطروحة، تلك التي تنسب للفنان التشكيلي حسن محمد موسي الذي يمثل التجربة الرابعة إذ نجده لم ينقطع عن التفكير والكتابة النقدية المتواصلة وعلى مدى حوالى ثلاثة عقود من الزمان قضاها في التصدي لمكامن الخلل في مواضعات المفاهيم الخاطئة ومسلماتها الجامدة، المتعلقة بطبيعة الفن؛ ودوره؛ وجدواه؛ والمتعلقة بالمعرفة التشكيلية (بوجه خاص)، وفي تقاطعاتها مع أشكال الوعي الإجتماعي الأخرى ونحو خلق واقع اجتماعي – أفضل – في بلادنا، يسوده جمال
المظهر والجوهر، جمال الشكل وجمال الروح وهذا ما نجده بداية من مساهماته الأولى في السبعينات بجريدة (المعرفة) الحائطية، التي كان يصدرها أسبوعياً إتحاد طلاب كلية الفنون الجميلة والتطبيقية، وبصفحة ألوان الفن والأدب بجريدة الأيام وغيرها، ومن خلال كتاباته المتصلة التي ظل يداوم على نشرها بصحيفته (جهنم) ومنذ سنوات عديدة وإلى الآن. وهذا بجانب إنتاجه الفني المتعدد الأوجه. مما لاشك فيه أنَّ هذه الأمثلة وغيرها مما لم يرد ذكره، قد ساهمت
بدرجات متفاوتة في إثراء الثقافة البصرية وإشاعة الذوق الفني الراقي، وتنمية الحس والوعي الجمالي لدى الناس في بلادنا، لكنها رغم ذلك، ما تزال بعيدة كل البعد عن إنجاز غايتها القصوى في تكوين بنية وعي جمالي خلاق وعلى نطاق واسع يسود كل المجتمع. فالبناء المؤسسي للتشكيل، أو البنيات الأساسية للمعرفة والثقافة التشكيلية، مهام تتعدى حدود طاقة الأفراد وتفوق مساهماتهم المتقطعة، التي لا تنتظم وفق خطة زمنية مقدرة، وضمن رؤية ومشروع متكامل
تتوفر له إمكانات التمويل الباهظ، بحيث يبلغ أهدافه وغاياته المحددة وفي حينها، وهذا بجانب عدم إمتلاك هذه المساهمات لحق التخطيط، ولمشروعية إتخاذ القرارات القابلة للتنفيذ ودونما مواربة أو تسويف. فالمسئولية إذن – وبمثل هذا الحجم من القدرة على التمويل والإنفاق – تقع وفي المقام الأول؛ على الدولة ومن ثم على مؤسسات المجتمع المدني، وذوي الإستنارة من الرأسمالية الوطنية ولنرى أذن ما قامت به الدولة وما هو الدور أو الأدوار التي لعبتها –
سلباً وإيجاباً- في إتجاه نشر المعرفة والثقافة التشكيلية في بلادنا؟ في تقديري أنَّه لايستساغ أن ننفي بصورة مطلقة وجود أي دور قامت به؛ لكننا – في ذات الوقت – يمكن أن نقول: إنها تتصف بالشح والندرة ولا ترقى إلى مستوى مسئوليتها؛ بيد أنَّ الإحتياجات الحقيقية التي يتطلبها المجتمع لا يوازيها ولا يلبيها الإنجاز الشحيح الذي تم.
نصف قرن من الأمية التشكيلية وغياب البنيات الأساسية للتشكيل (وقائع وشهادات):
في الواقع أنَّ الثابت وفي ما نراه في الحياة السودانية وبصورة طاغية هو إعادة إنتاج حالة الفقر والبؤس الجمالي التشكيلي وتكريس واقع الأمية الثقافية (التشكيلية) في بلادنا وبمسئولية، تتناوب فيها أدوار العجز لا أدوار الإنجاز مختلف أنظمة الحكم السياسية التي مرت على السودان ومنذ استقلاله وبنوعيها الديمقراطي والشمولي والتي لا ننكر – وكما أسلفنا – بعض إنجازاتها في إتجاه نشر المعرفة البصرية التشكيلية وحفظ التراث الفني المادي أو بالأحرى
إنجازات بعضها، لكنها على أية حال، لم ترق إلى مستوى إمكانات ومطالب التشكيليين السودانيين وطموحات بعض المثقفين من ذوي الإستنارة ولم تشف غائلة الجمهور السوداني، الظاميء إلى المعرفة الجمالية التشكيلية ويتضور من فقدانها، وهذا ما نجد أفضل تعبير عنه في مقالات ثلاث كتبها في الست أشهر الأولى من عام الإستقلال، صاحب (أصوات وحناجر) طيب الذكر الدكتور أحمد الطيب أحمد، وكرسها للفنون وضرورة الإهتمام بنشر ثقافتها في السودان مع تقديمه
لوقائع تثبت حاجة الناس لذلك والتي دعته للمطالبة بإقامة بعض بنياتها الأساسية الهامة. وقد اخترنا مقتطفات منها لما تحوية من أدلة تثبت كل ما جاء ذكره (حاجة الناس للفن وشغفهم بالجمال الفني، وتقصير الدولة . . الخ) ولقيمتها – أيضاً – في دحض الإفتراءات المضمرة والمقولة بعدم جدوى الفنون وتعليمها، وفي بلدٍٍ – متخلف – كالسودان، حيث نجده في مقاله الأول (الجوع الفني في مدارسنا الوسطى)[14] وبتاريخ 31 / 1 /1956م، يقارن بين حال المدارس واهتمامها بالفنون و(نشر الثقافة البصرية التشكيلية) في الثلاثينات من القرن الماضي وحينما كان تلميذاً في المدرسة الوسطى وحالها في الخمسينات من نفس القرن وحينما أصبح استاذاً (أي بعد عقدين فقط) إذ نجده يقول:((حين كنت تلميذاً في المدرسة الوسطى في الثلاثينات من هذا
القرن (على حد تعبير الجيل الجديد!) كانت جدران حجرات المدرسة تزان بعدد كبير من الخرائط وعدد ضخم من الصور استوردت من الهند وكلها تصف الحياة اليومية عند الهنود – كيف يأكلون وكيف يمشون في الأسواق، بقرهم المقدسة لا يمسها شخص بأذي، وحوانيتهم مثقلة بالفاكهة (. . . . . . . . . . . . .) أما اليوم (وفي الخمسينات من هذا القرن) فالجدران عارية عاطلة من كل ما يزين – اللّهم إلا بعض حجرات الفن التي تزان أحياناً بصور من عمل التلاميذ –
أتُرى أنَّ هناك رجعة إلى الوراء أم ترى أنَّ المشرفين على تعليم الفنون قد نسوا – في حماستهم للإنتاج والإبداع الفني – شيئاً آخر هو التدريب والتعليم الفني وذلك لا يكون عندي إلا بالنظر وإطالة النظر في الصور الخالدة والأعمال الفنية الباقية – بل أبالغ وأقول أنَّ ذلك التعليم لن يتأتي إلا إذا (عاش) التلميذ والطالب عيشاً دائماً قريباً من الصور الخالدة، يُطالع وجوهها كل صباح ويستمد مما بعث فيها الفنانون من أرواحهم روحاً فنية تعينه
في إبداعه وانتاجه حين تدفعه الرغبة أو الموهبة دفعاً إلى التصوير)) ثم يروي حادثة وقعت له ـ في الخمسينات أيضاً ـ بينما هو يلقي درساً للطلاب كان موضوعه في النحت والتصوير واحتاج لعرض بعض الصور عليهم ومن أعمال بعض فناني عصر النهضة الأوروبية (الإيطالية) الذين كان أكثر حديث الدرس عنهم فلم يجد منها إلا صورتان قديمتان أوشكتا على البلي، وبعد هذا نجده يقول: ((ولكن الحظ الحسن قيض لي أستاذاً من الأساتذة المغرمين بكتب الفن فأعارني
أعمال (مايكل آنجلو) و(ليوناردو) في طبعةٍ فاخرٍة فحملتها لتلاميذى فبقي الكتابان عندهم حتي اليوم، يقضون الساعات في تأمل صور تماثيل (مايكل آنجلو) وروائع (ليوناردو) . . وكلما طلبت منهم أن يعيدوا الكتب قالوا :
ـ ولكننا لم نكتف بعد من النظر.
أي جوع فني بعد هذا ؟
وأي برهان بعد هذا على أنَّ تلاميذنا يشعرون بهذا الجوع ويقبلون في نهم حين تتاح لهم الفرص إلى أكلة دسمة مثل هذه ؟
ومن ذا يجرؤ على القول أنَّ حياتنا خالية من الصور فما الحاجة إليها على جدران المدارس ؟ إنَّ حياتنا خالية من كل شئ ! أفهل يعني هذا أنَّنا لا نحتاج لشئ على الإطلاق؟ وقد نسيت أن أقول إنَّ هذا الإقبال شجعني على جمع كل ما استطعت جمعه من كتب الفنون المصورة ومن الصور ذاتها لأعرضها على تلاميذ السنة الرابعة (بمبروكة)1
في حصص اللغة العربية . . فجمعت صور (قوقان) و (بيكاسو) و(ماتيس) وبعض صور الطليان والغوط والهولنديين وكان الإقبال عليها جميعاً عظيماً فلا تزال الأيدي تتبادلها .
والخلاصة أنَّ تلاميذنا يقاسون مجاعةً فنيةً عنيفةً، فلا صور على الجدران – وأعني بالصور؛ الصور الباقية الخالدة، ولا كتب في المكتبات مخصصة لمجموعات الصور)) . . وفي المقال الثاني – للدكتور أحمد الطيب أحمد – والذي عنوانه، (إلى وزير الشئون)2 وبتاريخ 25 / 2 / 1956م (أي بعد أقل من شهر من نشر مقاله
السابق) نجده يقول: ((في وزارة الشئون مذكرات طويلة عريضة قدمها المهتمون بالفنون المختلفة في هذه البلاد (المسرح – السينما – النحت – التصوير. . الخ) يقترحون فيها على الحكومة أن تبني نهضةً قوية تبعث الفنون من سباتها وتنشئ فناً سودانياً أصيلاً تضيفه إلى ذخيرة الفنون العالمية وتبرهن للناس – أعني الجماهير ! – أنَّ الإنسان لا يكفيه أن يحيا بالرغيف و(الكسرة) وحدهما)) ويضيف: ((ولست أدري مصير هذه المذكرات . لاشك انَّ سلال المهملات
عامرةً بها؛ فقد توارث هذه الوزارة الوزراء، كما توارثوا غيرها من الوزارات، واخشى أنَّهم يهملون ما بدأ سابقوهم من مشروعات .. وأول واجب لوزارة الشئون الإجتماعية)3 تشجيع الفنون جميعاً ما علا منها، وما انخفض)).
وفي مقاله الثالث بعنوان (وكثيراً من الفن . . . يارب !)4 الذي نشر بتاريخ 18 / 6 / 1956م (أي بعد ثلاثة أشهر من المقال السابق) وبعد أن خلص من إثبات حاجة الجمهور السوداني للثقافة البصرية التشكيلية نجده قد توج مساهماته – في الكتابة- ببلورة استنتاج هام وقناعة تامة مفادهما: (جدارة التشكيليين
السودانيين) و (وجوب استحقاقهم للبنيات الأساسية اللازمة لنشر وتوثيق أعمالهم الفنية) وهذا ما صاغة في مقالة المذكور الذي تناول فيه بالتعليق معرضاً أقامه بالفندق الكبير – ولأربعة وعشرين فناناً تشكيلياً (سودانياً) – إتحاد الفنون الجميلة السوداني والذي نجده يقول في ختامه: "... لقد أمتعونا جميعاً وبرهنوا بمجهودهم أن الخرطوم اليوم في حاجةٍ ماسة إلى صالة عرض ثابتة تعرض فيها صورة عالمية وصور محلية..."
ولعل خلاصة ما يمكن استنتاجه – في نظرنا – ومن هذه المقتطفات يتمثل في (أن هناك – دائماً – رجعة إلى الوراء) فيما يتعلق بالاهتمام (الرسمي) بالفنون وما يترتب على ذلك من استمرار حالة فقداننا للبنيات الأساسية للتشكيل ورغم شغف الجمهور السوداني وتسقطه للجمال الفني ورغم حاجة (الخرطوم) الماسة لمؤسسات النشر الثقافي التشكيلي. ولعله من المحزن أن هذه الحالة (حالة الرجوع للوراء) التي نبه لها – مبكراً – د. أحمد الطيب أحمد وفي الست أشهر
الأولى من عمر الاستقلال لم تجد من يتصد لها من المسئولين والآخرين (من ذوي الاستنارة) وبالقدر المطلوب. لذلك وبدلاً من أن يتم أيفاقها نجدها قد تفاقمت بشكل مريع وخلال الأربعين عاماً الماضية مما يترتب عليه مزيداً من (التراجع) إذ نجده لم يقتصر – فقط – على الفترة الممتدة من ثلاثينات القرن الماضي إلى الخمسينات منه. ولنري كيف تبدو – الآن – هذه الحالة وفي ماكتبه الاستاذ ابراهيم العوام الذي نجده بقول: ((... كنا نؤم المعارض في
الخمسينات بشغف شديد فنجدها مزدحمة بالجمهور الذي يتهم الآن بإعراضه وعدم فهمه للتشكيل وكان المنظور أن تزداد سرعته وللنمو الطبيعي أن يتعالى إيقاعه وطالما أن لدينا هذه الإمكانات البشرية المؤهلة للإبداع ولكن . .))1 وفيما يبدو لي أنَّ بعض المتعلمين السودانيين – أوائل الخريجين – قد ورثوا من
أساتذتهم (الغردونيين)2 التشكك في سلامة الذائفة الجمالية التشكيلية لأهلنا في السودان وميلهم الفطري للجمال، كذلك إستعدادهم لإكتساب المعرفة البصرية التشكيلية وعلى نحو ما كان يعتقد معظم ممثلي الإدارة البريطانية في السودان إبان فترة الإستعمار ومثلما نجد في بعض تقارير مخططي النظام التعليمي (على وجه الخصوص) والتي يجئ في إحداها : ((إنَّ تعليم الفنون – في السودان- من قبيل الحرث في البحر)) 3 ولعل هذا الوصف ينطبق على طائفة من أوائل المتعلمين وأكثر مما هو ينطبق على كل السودانيين ولذات الأسباب التي رأت ضعفها كطبقة مثقفة ((. . . لم تتمثل الأفكار الجديدة المستمدة من التعليم الأوروبي، كما أنَّها لم تطور القدرة على النقد، ومن ثم ساد بينها الإنحراف))4 ونضيف إلى ذلك ، أنَّ مداركها لم تتسع للاعتزاز بالتراث الفني المادي في ثقافاتها المحلية التي ترجع الى حضارات وادي النيل والسودان القديم مما يساعد على توطين الثقة بالنفس والذي يمكن إكتسابه من القيم الجمالية العالية التي بثها أسلافنا في إبداعهم الفني المتعدد الوجوه . ومثلما لم يتسع أفقها إستيعاب جملة من القيم
والممارسات التشكيلية الشعبية السودانية التي تنم عن تراكم خبرة سودانية (فنية، جمالية) متوارثة من قديم الزمان في مجال الفنون التشكيلية وتثبت - مادياً وعملياً – تمتع أهلنا في السودان بتلك الذائقة التي تم التشكيك فيها ولكنها – على أية حال- ذائقة ذات خصوصية ونكهة سودانية. وكما نرى في هذه الرواية التي ترجع أحداثها إلى بداية الأربعينات ويستحضر ذكراها الأستاذ جعفر حامد البشير في حوار5 أجري معه بإحدىالصحف السودانية ويتحدث فيه عن أستاذه السيد البكري أبو حراز، رئيس مدرسة البريد والبرق ـ آنذاك ـ ويصفه بأنَّه : ((. . . أستاذ عظيمٌ جداً وكان أديباً وشاعراً. . .)) و((له معي علاقة لطيفة جداً جعلته يختار لي المكان الذي سأذهب له بعد التخرج حينما رأى عليّ موهبةً شعرية جيدة، فأختار منطقة جبيت لأعمل
فيها نسبةً لطبيعتها الساحرة ولمناظرالأراك، والجبال، والجو الشاعرى . . .)) فـ ((وجدتها كما وصفها لي . . .، منطقة جميلة، وفي ما بعد، عرفت أنَّ توفيق صالح جبريل6 تغنىبها في أشعاره وكذلك يوسف مصطفي التني)) 7.
في هذه الرواية تبرز ملاحظتان هاماتان، الأولى هي أنَّ الاستاذ وتلميذه قد سلِما من نقيصة التشكيك في سلامة ذائقاتهما الجمالية؛ أما الثانية تكمن فيما أوردته الرواية من أسماء لشعراءٍ أربعة إستخفهم جمال الطبيعة، فتغنوا به في أشعارهم وهذا ما يدلل على إحساسهم وميلهم الفطري للجمال؛ كذلك إستعدادهم لإكتساب المعرفة الجمالية التشكيلية وعلى النقيض مما ذهب إليه مخططي التعليم في فترة الإستعمار وفي أحكامهم – الجمالية – المطلقة وعلى كل
المتعلمين السودانيين !
ومما يستغرب له أنَّ المتعلمين الموصوفين على النحو الذي ذكره (سكماسيكل) و(سيرهارولد) وغيرهم أمثال (سكوت) وغيره ممن لم يرد ذكرهم هنا وعلى النحو الذي عبر عنه بازدراء (ف . ل . جريفث) وفي عبارته المشهورة: ((ليس للمتعلمين السودانيين أي قدرات على الخلق وبعد النظر والتكيف مع الظروف))8 مما يستغرب له،
أنَّهم – وحسب إعتقاد مخططي التعليم المذكورين - لم يكونوا أحسن حالاً من الذين لم يتلقوا تعليماً مثلهم وانطبق عليهم المثل الشعبي القائل: ((القلم ما بزيل بلم)) ولعل بلمنا في هذه الحالة (التشكيلية) هو (حالة الرجوع إلي الوراء) التي تسبب فيها هذا النوع من المتعلمين وبسبب (ما وصفوا به !) أو - على الأقل ـ بسبب ضعف حساسيتهم الجمالية. ومما يستغرب له أكثر أنَّ هذا النموذج من المتعلمين وبدلاً من أن يعاد النظر في الظروف والأسباب التي
كونته، نجد أنَّ إنتاجه قد تواصل وأنَّه أورث نفس (حالة الرجوع للوراء). وذات العقلية والنظرة الجامدة لطوائف من المتعلمين، من الأجيال المختلفة التي تلتهم، وخاصة حيال الفن والفن (التشكيلي) بوجه خاص. ولا أخال أنَّ مستر جريفث قد كان يضمر نوعاً من الإساءة أو كان مخطئاً في وصفه وتقييمه، فواقع الحال وعلى المستوى الثقافي في بلادنا ما يزال يؤكد ما ذهب إليه جريفث وأمثاله، وماتزال أسباب الضعف وطغيان حالة الأمية المعرفية التشكيلية وبؤس
إنعكاساتها في واقع الحياة في بلادنا، ترجع في تقديري ـ إلى طبيعة مناهج التعليم وطرق تدريسها، فالإشكاليه وبالدرجة الأولى هي إشكالية المنهج وواضعه؛ وليس متلقيه الذي وقع ضحية لثمة خلل في بنيته وأهدافه والذي وضع لبناته مخطط التعليم (البريطاني) مما أدّى إلى خلق حالة من الفصام الروحي أصابت المتعلمين السودانيين وأدت إلى إنفصالهم ـ الوجداني ـ عن تراثنا الفني المادي (قديمه وحديثه) بل زادت الشقة التي كانت بينه وبين التراث المادي
وبسبب طغيان ثقافة اللغة والشفاهة (الخطابة، الحديث الشفاهي، الشعر والنثر) وأكثر من سواها من أجناس التعبير ومجالاته الأخرى. وفي هذا يتفق رأينا ـ في معظمه ـ مع مستر جريفث الذي يعزي ((. . السبب في هذا الضعف إلى إنعدام الأصل الحضاري وإلى حقيقة أنَّ التعليم كان مستورداً من الخارج، كما كانت تقاليد الخلاوي في تعليم القرآن، تتطلب منه الدرس والحفظ)) 1. ولعل مستر (جان بيير قرينلوGREENLAW PIERRE JEAN) كان أكثر من أتصف بالشفافيه والنظر الثاقب من بين مخططي وواضعي نظم التعليم ومناهجه من البريطانيين في فترة الإستعمار ومن أكثرهم إدراكاً لطبيعة الشخصية
السودانية ومقومات تكوينها الناتجة من البيئة المحيطة ومن التراث الفني القديم ومن الموروثات الشعبية مما جعله يراهن على أثرها الإيجابي- المختزن- في تكوين هذه الشخصية وعلى إستعدادها الفطري لتعلم الفنون وكأني به قد راهن ـ بالفعل ـ معارضيه، من مسئولي الإدارة البريطانية ومخططي التعليم آنذاك، إذ نجده قد تصدى وحده لإثبات عكس ما توصلت إليه تقاريرهم وتحليلاتهم، وفي ظني أنَّه نجح في ذلك وإلى حد كبير. ومما يطرح سؤالا – هاماَ- سيظل
قائماً ويبحث عن إجابة لمعرفة سر القوة التي استند عليها (قرينلو ) في سباحته عكس التيار وأعانته في تخطيط وتنفيذ كل ما قام به من أعمال كانت تهدف – وعلى اختلافها – إلى تعليم الفنون ونشر الثقافة البصرية التشكيلية وإلى لفت الإنتباه والإهتمام بالتراث الفني (المادي) في السودان.
من هذا نخلص إلى أنَّ سؤالي النشر والتوثيق الثقافي بوجه عام، و(التشكيلي) على وجه الخصوص، لم يحظيا بالإهتمام اللازم من قبل السلطة الرسمية وطيلة فترات تاريخنا الحديث، ومنذ قيام الدولة المهدية، كما نجد أنَّ درجة الإهتمام قد إختلفت ما بين فترة وأخري، وقد إنعدمت تماماً وفي بعض الفترات، والتي نجد أنَّ خير مثال لها هو فترة عهد الإنقاذ الحالية وهذا ما آمل أن يكون قد تم استجلاء بعض جوانبه في ثنايا هذا البحث هذا. ولعل أكثر ما استحوذ على
إهتمامي فيه هو : ما تم؛ وما لم يتم، في مجال النشر التشكيلي في السودان وبشقيه (الأدب والإنتاج الفني التشكيلي) وإبانة الأسباب التي أدت إلى الإنجاز أو إلى عدمه. هذا وقد نتفق جميعاً في انَّنا ورغم مضي حوالي نصف قرن، مازلنا نراوح في نقطة البداية ونحاول الخروج من (مأزق الرجوع للوراء) على حد وصف المسرحي، والفنان الشامل، الدكتور أحمد الطيب أحمد، طيب الله ثراه وبقدر ما سعى - فى فترة باكرة - لنشر المعرفة والثقافة التشكيلية في بلادنا
وبأنواعها المختلفة (مسرح، سينما، رسم، نحت . . إلخ) . ومما لا شك فيه أنَّ قدر الإنجاز الذي تم في مجال التشكيل في السودان كان نتيجة لإهتمام وجهود بعض الأفراد (الإستثنائيين) الذين كانوا على درجة من علو الهمة ومن الإستنارة والوعي والإدراك العميق بأهمية النشر والتوثيق بما يفوق الكثيرين من أقرانهم ومجايليهم ومهما إختلفت دوافعهم لذلك. ولعل مبادرة إقامة هذا السمنار تكون البداية الحقيقية الجادة لتشريح أزمة النشر التشكيلي في السودان
وللبحث عن حلول ـ أكثر فعالية ـ تعيننا على إيجاد الآليات والوسائل التي تمكننا من الخروج من حالة الركود والعدم، والإنتقال إلى طور البناء المؤسسي للنشر والتوثيق التشكيلي المحفوظ في السودان. فما هو ماثل أمامنا الآن في مشهد الحياة الثقافية (التشكيلية) في السودان، وبتجليات النشر (التشكيلي) المختلفة (كأثر ونتيجة)، وحسب تعبير الأستاذ والفنان التشكيلي (تاج السر أحمد) في فرضيته المضمنة في رسالته للدكتور حسن محمد موسى المنشورة بصحيفة
(جهنم) العدد 21 بتاريخ 1 / 9 / 2002م والتي يتحدث فيها عن جفاف البيئية (السودانية) وظروفها القاحلة، وعن الحرمان الذي عانى منه أبناء جيله في الأربعينات والخمسينات (من القرن الماضى) وعن نتائجه وإفرازاته، التي تتمثل في التقشف والانزواء خلف النزعات الصوفية، لمن لم يفصح عن الآمه، وتسقط الزخم اللوني، والجمال البشري، والبهاء الزخرفي، لمن إبتلي برغبة ملحة في تعلم الفنون التشكيلية، ولعلي هنا أعبر عن مدى سعادتي بهذه الفرضية وبهذا
التحليل الذي أتي به الأستاذ أحمد تاج السر من تجربته الذاتية وتجربة أبناء جيله؛ والذي يؤكد أهمية ما ذهبنا إليه في (بيان الحديقة التشكيلية) من أهمية جمال البيئة والوسط وفي كل فضاءات الرؤية البصرية (كأثر)، ودورها (كأهم وأخطر وسيلة) في نشر المعرفة البصرية التشكيلية والإرتقاء بالذوق الفني العام وخلق وعي جمالي خلاق (كنتيجة) مرجوة معرفياً. فما هو ماثل أمامنا وفي الواقع الراهن، وعلى مستوى بانوراما المشهد البصري العام في بلادنا
وخارج أطر مسند الرسم وصالة العرض التشكيلي، لهو خير دليل على ضعف معرفتنا الثقافية البصرية التشكيلية وخير شاهد على ذلك الجدب (الجمالي) المقيت، الذي تتسربل به بيئتنا، بل بيئاتنا، وبالرغم مما نملك من تراث فني ذاخر وذو قيمةٍ فنيةٍ وجماليةٍ عالية! وبالرغم من كنـوزنا الوطنية الحية في مجال التشكيل! والتي اثبتت في المجالين (الإقليمي والعالمي) درجة عالية من المستوى الرفيع الذي بلغته الخبرة السودانية في مجال التشكيل.
فبالرجوع إلى (بيان الحديقة التشكيلية) الذي تم إعلانه في الخرطوم في إكتوبر، 2001م، نجد أنه قد تم تناول تفصيلي في التمييز بين نوعين من الأثر البصري التشكيلي وما يترتب على ذلك من (نتيجة أونتائج) بسبب تضاعيف غياب (الأثر الجميل) وإستفحال (الأثر القبيح) الذي وصفناه بـ(فيروس القبح) كنايةً عن التعبير عن حالتنا الراهنة، التي نحسب أنَّ عافيتها وصحتها باتت تعاني مما يشبه الأمراض الخبيثة المزمنة
وإنَّ اصابتها بذلك الفيروس (القبيح)، قد بلغت آخر أطوارها من السوء والأذى الذي أخذ يتهدد حياتنا الروحية والنفسية والأخلاقية ويتهدد بالتالي وجدان الإنسان السوداني مالم نرعوي، ونتنبته لمخاطره. فالخلل الذي نعاني منه والأزمة التي نعيش – الآن- بعض فصولها؛ جذرها لا يكمن في ضعف النشر وغياب التوثيق، أو في قصور التخطيط الرسمي وخطل أدواره التنفيذية، بل يرجع إلى ضعف عام في بنية تفكير الأكاديمي والسياسي السوداني بازاء الثقافة (عموماً) وبإزاء المعرفة والثقافة
التشكيلية (بوجه خاص) وإلى ضعف إستنارته، وضيق منظوره لتكامل المعرفة الشمولية، وأهميتها، ويرجع إلى روح ثقافة الأدب السياسي وغلبتها وإلى هيمنة الأيديولوجيا ونزعة التسلط والإستبداد على تفكيره ومن ثم بسطها على غيره، مما أدى إلى كتم أنفاس الأفكار والمشاريع والطاقات المبدعة الخلاقة وإلى ضمور نشاط الخاصية الإبداعية في محيط الجماعة وأدى (كنتيجة طردية) إلى هذا الفقر والجدب والبؤس الجمالي الذي زادت وتيرته في الآونة الأخيرة ويعاني منه ـ الآن ـ الإنسان السوداني. ولا
يخفى على عين أحد قبح الأمكنة المحيطة بنا وفوضاها المزرية كما لا يخفى على علم أحد ظاهرة أندثار الحرف والمهن التشكيلية فى السودان. وبعد هذا العرض الوافي الذي حاولنا فيه إستعراض واقع المشهد البصري العام في بلادنا ومن زاوية التشكيل وأدواره المختلفة أفلا تستحق حياتنا أن نبحث عن الحلول ولكي يصبح الواقع أفضل وأجمل مما هو عليه الآن؟ ! أم نحن جميعاً لا نستحق الحياة؟ ! دعونا إذن أن نقلل من الحديث ونلخص موضوعنا في هذه الكلمات الخمس: (ضرورة الإهتمام بالثقافة البصرية
التشكيلية) وأن نبدأ العمل، فما أحوجنا لوسائل النشر الثقافي التشكيلي ومؤسساته وبنياته الأساسية. وما أحوجنا إلى ذهنية تعي أهمية ذلك لدى المخطط الرسمي والمسئول التنفيذي ولدى المواطن العادي، على حدٍ سواء .
وأخيراً نتقدم بهذه الأفكار والمقترحات العامة و(إلى كل من يهمة الأمر) ومن أجل الارتقاء بالنشر التشكيلي في السودان
1/ دعوة الولايات والمحافظات والمحليات للنظر بعين الاعتبار إلى ما ورد في بيان الحديقة التشكيلية والعمل على إمكانية تفعيله على أرض الواقع.
2/ تدريس مواد الثقافة البصرية التشكيلية في كليات ومعاهد الخدمة المدنية والإدارة العامة.
3/ ضرورة الاهتمام الجاد بتدريس مادة التربية الفنية وبمراحل التعليم المختلفة وإعادة التربية الفنية لجدول الحصص بالمدارس.
4/ إنشاء مدارس متخصصة لتعليم الفنون التشكيلية في مرحلتي الأساس والثانوي .
5/ دعم وتطوير كلية الفنون الجميلة والتطبيقية والكليات الشبيهة وإنشاء كليات أخرى.
6/ تطوير وتعميم تجربة التعليم الإضافي في مجال الفنون التشكيلية.
7/ الاهتمام ببرنامج الدراسات العليا في مجال التشكيل.
8/ إنشاء قسم للعمارة والدراسات البيئية بكلية الفنون الجميلة والكليات الأخرى الشبيهة.
9/ إنشاء قسم للتصوير الجداري بكلية الفنون الجميلة والكليات الشبيهة.
10/ تدريس تاريخ الفن التشكيلي السوداني (القديم والمعاصر) في كليات الفنون والمعمار والتصميم الداخلي والكليات الشبيهة .
11 / تشجيع الحرف والصناعات التشكيلية الصغري وحماية اسواقها وأماكن إنتاجها.
12/ تطوير تجربة التدريب والتأهيل، وتطوير الكفاءة المهنية في مجالات العمل والحرف ذات الطبيعة التشكيلية (كالبناء والنجارة والبستنة والحدادة والخراطة والسباكة والطلاء والمحاجر) وانشاء معاهد متطورة للتدريب المهني في هذه المجالات.
13/ ندعو لمزيد من الإهتمام بنشر الصورة وثقافة الصورة في وسائل الصحافة والإعلام المختلفة وضرورة الإستعانة بالفنانين التشكيليين للقيام بذلك.
14/ ندعوا لمزيد من الاهتمام والعناية بوثيقة (الصورة) أو الصورة (الوثيقة).
15/ دعم مشاريع البنيات الأساسية المعلنة والمقترحة الخاصة بنشر وعرض وحفظ الأعمال الفنية التشكيلية (كصالات العرض والمتاحف ومراكز الفنون) كالتي تم أقتراحها في موضع آخر من هذا البحث.
16/ دعم مشاريع البنيات الأساسية الخاصة بنشر وتوثيق الأدب التشكيلي. وكما هو مقترح في موضع آخر من هذا البحث.
([1]) ؟
([2]) الأستاذ عبد الباسط عبد الماجد في مناسبة أقيمت بالمجلس القومي لرعاية الآداب والفنون على شرف الاحتفاء بقدوم د. إبراهيم الشوش الى السودان فى مارس / إبريل 2002 .
([3]) تعبير متداول في السودان بين أوساط التكنوقراط، ويعني: التعطيل عن عمد لإجراء ما، مهم، أو لمشروع ما، هام، يخص فرداً أو جماعة دونما سبب موضوعي، وهو في الغالب ينم عن كيدٍ أو لؤم أو حسد أو غيره مما تتصف به العقلية الإدارية ضيقة الأفق .
[4] ) وردت العبارة ضمن كلمة السيد الأمين العام للمجلس القومى لللثقافة والفنون الأستاذ السموأل خلف الله فى (سمنار العمل التنظيمى) للإتحاد العام للفنانين التشكيليين السودانيين بمبانى المجلس المذكور بتاريخ 15 / 1 / 2001 م .
[5] ) عدد التشكيليين ضمن الإحصائية المشار إليها كان 124 تشكيلياً وعدد الموسيقيين كان 100 موسيقى وعدد الدراميين كان 76 درامياً .
([6]) تعبير للكاتب الروائى الفرنسى فولتير.
([7]) تعبير للباحث والكاتب السودانى د. عبد الله علي إبراهيم .
([8]) من مقال لإبراهيم العوام، بعنوان (بشرى للتشكيليين)، ص 9، جريدة الصحافة (السودانية) اليومية، عدد الخميس الموافق 11 يوليو 2002 م.
([9]) من حوار مع د.أحمد عبد العال، المنشور بصفحتي 4و 5 بصحيفة (التكنولوجيا) الصادرة عن إدارة العلاقات العامة والإعلام، بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، العدد (21) السنة الثانية، أكتوبر 2002م.
([10]) نفس المصدر السابق.
([11]) من مقال لإبراهيم العوام بعنوان (بشرى للتشكيليين) ص 9، جريدة الصحافة (السودانية) اليومية، عدد الخميس الموافق 11 يوليو 2002م .
[12]) الجدير بالذكر أنَّ بعض القنوات الفضائية الأجنبية قامت بتغطية إفتتاح المعرض الأول وبثه مباشرة .
* المقصود بذلك أن كلية الفنون الجميلة والتطبيقية تقع في منطقة الخرطوم غرب وأن أهم المراكز الثقافية الأجنبية (البريطاني – الفرنسي – الألماني) التي وقع عليها العبء الأكبر في إقامة المعارض التشكيلية تقع ثلاثتها في منطقة الخرطوم شرق .
** الأول هو المراكز الثقافي الألماني والثاني هو المركز الثقافي الفرنسي والاثنان يقعان في وسط الخرطوم .
** أبو سليم، محمد إبراهيم (دكتور)، (أدباء وعلماء ومؤرخون في تاريخ السودان) ص 130.
[13]) من رسالة للأستاذ تاج السر أحمد إلى الدكتور حسن محمد موسى منشورة بجريدة (جهنم) العدد (21) بتارخ الفاتح من سبتمبر 2002 م .
2 ) المرجع السابق .
· ) يعنى قرينلو .
3) المرجع السابق .
[14] ) نشر بالعدد الثالث من مجلة (رسالة الفنون) الدورية التى كانت تصدرها شعبة الفنون ببخت الرضا وبكتاب (أصوات وحناجر ومقالات أخرى ) صفحة 277.
1) معهد تدريب معلمى المرحلة الأولية ببخت الرضا .
2) نشر بصحيفة (السودان الجديد) و كتاب (أصوات وحناجر ومقالات أخرى) ص 409 .
3 ) هذه الوزارة كان من مهامها الشئون الثقافية وقبل تخصيص وزارة للثقافة .
4 ) نشر بصحيفة (الأيام) وكتاب (أصوات وحناجر ومقالات أخرى) صفحة 415 .
1 ) من مقال "بشري للتشكيليين" المنشور بجريدة الصحافة (السودانية) عدد الخميس 11 يوليو 2002م بصفحة 9.
2 ) أشارة لأساتذة كلية غردون التذكارية (من البريطانيين).
3 ) .....
4 ) (تطور التعليم في السودان) 1898 – 1956م "محمد عمر بشير ص و "السودان الانجليزي المصري (لندن 1934) ص 629
5) نشر بجريدة الصحافة (السودانية) اليومية، وفي عددها (المتميز) بتاريخ الثلاثاء الموافق 6 أغسطس 2002م وبالحلقة الأولى من (أوراق القمر).
6) شاعر سوداني، صاحب ديوان الشعر المعروف (أفق وشفق) .
7) شاعر سوداني، صاحب القصيدة المشهورة، المغناة ( في الفؤاد ترعاه العناية).
8) بشير، محمد عمر (تطور التعليم في السودان 1898 – 1956) ص 218.
1) بشير، محمد عمر (تطور التعليم في السودان 1898 – 1956) ص 218 .
لا يحق لأي جهة إعادة نشر المادة الموجودة على هذا الموقع إلا بإذن كاتبها |