|
النشر التشكيلي في السودان
حقائق ووقائع , أسئلة ومقترحات
علاء الدين الجزولى
توطئة : رد الفرع الى أصوله التاريخية :
لعل رغبة الإنسان وغريزته الفطرية السوية في التواصل وفي امتلاك المعرفة وتداولها مع الآخرين هي الباعث الأول لفكرة النشر، ومنذ أن وعي إنسان المجتمع البدائي أهمية رسم رؤاه وتدوين أفكاره على الحجارة والعظام والجلود وعلى جسده وغيره ، سواء كان ذلك بدافع السحر والمعتقدات أو بدافع غامض، قادة للتفكير في حياة أخرى أبدية بعد الممات أو لرغبة منه في خلود – مستحيل – لا يتحقق لجسده بل يتحقق مجازاً لروحه التي ينتفع أخلافه مما خلفت من أثر وآثار تحمل
في ثناياها وفي تراكيب تعبيرها الفني البدائي، قصة حياته، أحلامه ومخاوفه، ولعل حجارة تلك الآثار وتلك المومياءات التي أثبتت ديمومتها وقدرتها على البقاء وعلى مر العصور هي التي تقودنا – دائماً – للإعتقاد بأنَّ الإنسان – في التاريخ القديم – كانت تراوده فكرة الخلود، وما خلفه من أثر ما هو إلا محاولة لذلك ولتحقيق الذات وبلا منتهى، وماهو إلا تعبير عن هذه الفكرة، أي رغبته في ألاّ يموت والتي تصل إلى ما يمكن وصفه بغريزة الخلود وماهو
إلا شكل من أشكال التعبير عن صراعه الأزلي مع الموت وحقيقته الحتمية ونجده للانتصار عليه يسعى لتمديد حياته، ولعلنا نجد في فعل تحنيط الرفاة (المومياء) أبلغ محاولاته الدالة على ذلك . ولعله من هذا الصراع ومن التعلق بالحياة نشأت رغبة الأسلاف في الاتصال مع المستقبل واستشرافه وعبر الآخرين، ونشـأت الرغبة في نشر أفكاره ورؤاه ومعتقداته… الخ . وما الخلود – في تقديري – سوى نشر التراث والحفاظ عليه ، وما التوثيق سوى فعل النشر القادر على
البقاء.
وفي البدء كان الصوت وفى البدء كان الكلمة كأول وسيلة للتعبير والتخاطب مع الآخر وفي محيط الجماعة، ولعل هذا شكل البدايات الأولى لفعل التواصل وعلى ما أُصطلح على تسميته حديثاً بالنشر والإعلام والاتصالات وفي مراحل متقدمة من أطوار حياة الإنسان.
وفي البدء كان الحجر – ولعله ما يزال – هو الوسيلة الأفضل للنشر ولحفظ وتوثيق إنجازات البشرية والأكثر قدرة على البقاء . ومما لا جدال حوله أن الطاقة الإبداعية الخلاقة لأولئك الصناع المهرة والفنانون – الذين كانت تفوح منهم روائح المواد النتنة وتدمي أياديهم من طول العمل الشاق – المُغَيبون في ذاكرة التاريخ والضائعون في تلافيف الحضارات وتفاصيل صراعاتها وحروبها وخلف سير القياصرة والأباطرة والملوك والحكام والذين لا نعرف عن إسهاماتهم وأدوارهم
التي لعبوها في قيام المدنيات وبناء الحضارات إلا النذر اليسير منها وفي بعض حقب التاريخ وبعض الحضارات وذلك قياساً بالإنجازات الفنية المادية الهائلة التي خلفوها وراءهم وشكَّلت تراثاً إنسانياً خالداً ما بين قارةٍ وأخرى، هي العامل الأساسي والأهم الذي ساعد على تسجيل أحداث التاريخ بواسطة الفن وعلى نشر الأفكار والقيم الجمالية والأخلاقية والحفاظ على ذاكرات الشعوب والمجتمعات وذاكرة التاريخ الإنساني.
"ويرجع الفضل فيما توصلت إليه البشرية من إنجازات حضارية طيلة مسيرة تاريخها الطويل إلى خاصية واحدة يتمتع بها العقل البشري، ألا وهي خاصية الإبداع" ([1]). فبهذه الإنجازات (الخلاقة) قامت / وتقوم الحضارة التي يشكل الفن (الأصيل) أعلى ذروة من ذراها وبها تخلد الإنسانية، ويخلد المبدعون والإنسان، بفضلها، وليس بفضل
تحنيط رفاته. لقد كان ولا يزال للفن دور عظيم في حياة الشعوب والمجتمعات، ولقد كان ولا يزال الفن، أداة هامة من أدوات تشكيل الوعي الاجتماعي الخلاق، وفي ذات الوقت . أداة خطيرة للتأثير سلباً وللسيطرة على المجتمعات بواسطة الفن ولعل السبب في عداء بعض الأنظمة الشمولية للفن والإبداع - وبجانب ضعف الاستنارة الذي تعاني منه – يرجع لافتقارها لكوادر مؤثرة في مجال الفن وموالية لها ومن إفتقادها لولاء الفنانين (الحقيقيين) الذين يتمتعون
بخاصية الإبداع ونجدهم لا يتسقون نفسياً –وعلى الأقل– مع نزعتها المعادية لحرية الفكر والتعبير كما يرجع لإحساسها ومعرفتها بخطورة دورهم الذي يتعارض مع طبيعتها الاستبدادية . ولذلك نجد أن منهجها في الحكم والفاقد لقوة الفن الناعمة الساحرة وسلطان تأثيرها على الشعوب، يلجأ وبأشكال مختلفة لقوة السيطرة أو لسيطرة القوة التي تتصف بالخشونة والقسوة كتعويض لدور الفن والتي تكون في الغالب تحت مظلة دعاوى ومبادئ وأفكار نبيلة . وهذا ما يُفسر
أحد أهم أسباب الأزمات والأزمة الثقافية بوجه خاص، كما في تجربة نظام الحكم –الحالي– في السودان الداعي إلى قيام نهضة ويَدَّعَي بناء مشروع حضاري بمنهج سيطرة القوة وقوة السيطرة، وليس بقوة الفن (قوة دفعه الجمالية، الروحية، الأخلاقية، الحضارية) ولا ببقية القوى المحركة للوعي الإجتماعي.
ولعل أكثر الحقب أهمية في تاريخ الفن والمجتمعات الإنسانية وفيما يتعلق ببروز وظهور الفنان المستقل بإرادته وأفكاره ومشروعه الفني والمتحرر من قيود وإملاءات الكهنة والحكام وشروطهم المتعسفة وبروز دور الفن - كقوة مبدعة - وتجلي وظيفته المعرفية والثقافية الهادفة لتحقيق النمو والتقدم الإجتماعي وفي أبهى صورها، ترجع إلى فترة ما يسمى بعصر النهضة الأوربية الثاني ، في القرون "الرابع عشر، الخامس عشر، السادس عشر" والتي نجد أنَّ أكثر ما يميزها عن
غيرها، التحرر من كافة القيود التي كانت تعيق طاقات الإنسان الخلاقة وتمنع تفجرها وتكبح جماح الفنان "المبدع" وحريته في التعبير الفني، فعلى كلٍ ومهما اختلفت الظروف المحيطة بالفنان ومهما كانت الدوافع والأسباب التي قادته للتفكير في رسم رؤاه وتدوين أفكاره ، فإن رغبته في الرسم والتدوين التي تستبطن ميلاً مبهماً وغامضاً للتخاطب والتواصل مع الآخرين ، ظلت ملازمة للكائن البشري وعلى مر أطوار تاريخه الطويل المليء بالأحداث والتقلبات التي
عصفت بكثير من الحاجات والرغبات والميول وكذا – مختلف – أنماط السلوك ما عدا رغبته الغريزية في تحقيق ذاته وتخليدها وحاجته للتخاطب والتواصل وتداول أفكاره مع الآخرين والتي نسميها حديثاً، ونطلق عليها مصطلحي "النشر" و "التوثيق" الدالان على فعلين متلازمين متشابكين، فكثير من الرؤى والنظرات والأفكار القديمة التي تم رسمها وتدوينها بالكتابة لم تكن بدافع التوثيق وبالمفهوم الذي نعيه الآن، كما لم يكن الرسم والتدوين نشراً ذو فعالية كبيرة
وحسب ما هو معروف لدينا الآن . قبل اختراع (جوتنمبرج) للمطبعة في وقبل إبتكار (سوزوكي هارونوبو) لتكنيك الطبع بالألوان المعروف بمحفورات أوكييو (UKIYO) الخشبية اليابانية في نهاية القرن الثامن عشر.
إنَّ المعنى الحقيقي لمفهوم النشر وعلى مستوى النص والرسم والصورة – وعلى نطاق واسع – قد تحقق بعد ظهور تقنية الطباعة وبعد ظهور المطبعة، وأخذ يتزايد باضطراد وبوتائر أكبر بعد الإضافات التي لحقت بآلة الطباعة وتقنياتها خاصة بعد إكتشاف (سينيفيلدر) للطباعة التصويرية (طباعة الأوفست التى أدت بالتالي إلى زيادة قدرتها الإنتاجية، وبعد الإختراعات والإكتشافات والوسائل الجديدة التي تلت ذلك – وعلى مدى خمس قرون – وأخذت في الظهور بشكل مؤثر وفعال
وأهمها: آلة الكاميرا، وآلة العرض السينمائي، وجهاز التلفزيون، ويضاف إليها مؤخراً أجهزة الكمبيوتر والإتصالات، والبث المباشر عبر الأقمار الصناعية، مما ضاعف من وتيرة النشر وزاد معدل المتلقين المستفيدين منه وبشكل لم يسبق له مثيل .
لقد درجت العادة في تقليد الكتابة المنهجية وإعداد الأوراق والأبحاث العلمية على الإستهلال بمدخل تاريخي في ذلك النوع من الكتابة، ولكن في ورقة كهذه وفي موضوع "النشر التشكيلي في السودان" لعله من المفيد أن يتضمن مدخلنا الإشارة لبعض الملاحظات المهمة المكثفة لمعاني ودلالات تتعلق بأهمية الإنتاج الفني التشكيلي ودور العمل الفني كوسيط ناقل ومسجل للمعرفة والخبرة والفكر الإنساني – عموماً – ولقيم الجمال الفني منذ ما يُعرف بعصور ما قبل التاريخ
ومجتمعات الإنسان البدائي ولعله ما يزال يلعب نفس الدور إلى الآن ورغم مضي حوالي ثلاثون ألف سنة – تزيد أو تقل – من تاريخ تنفيذ ما يُعرف برسومات الكهوف التي تعتبر أكثر النماذج والأنواع الفنية عراقةً في تاريخ الفن التشكيلي وتاريخ الفن بوجه عام، ومن أكثرها اكتمالاً في تكويناتها الفنية والتي يمكن إعتبارها في ذات الوقت البدايات الأولى التي سجلت ووثقت – أيضاً – لحياة الإنسان في تلك الأزمنة السحيقة فيما وجد من آثار فنية بقارتي
أفريقيا وأوروبا – على وجه الخصوص – كرسومات كهوف تاسيلي وهضبة الهقار الواقعة بالمنطقة الممتدة من الجزائر وإلى تخوم ليبيا من جهة, وكهوف لاسكو وألتاميرا بكل من فرنسا وأسبانيا من الجهة الأخرى . فالملاحظة الأولى هي: أنَّ النشر بوجه عام وفي بداياته الأولى قد تم بواسطة الأثر التشكيلي، أي أن الأعمال الفنية التشكيلية كانت الأداة الوحيدة الممكنة للتعبير والنشر المكاني ولإيصال المعلومة وتبليغ الناس بفكرةٍ ما، وكانت الصورة (Image) هي الوسيلة المُثلى الحاملة للمعلومة، ويتم التعبير عنها تشكيلياً على مسند الحجر وفي كتلته على جدران وسقوف الكهوف وبأدوات وأصباغ في غاية البدائية من حيث التقنية، لكنها مع ذلك تميزت بأصالتها كمواد وبمقاومتها لعوامل التعرية وقدرتها في إحداث أثر – خالد – اكتسب قدراً كبيراً من أسباب بقائه وديمومته من أصالة مادة الحجر كخير مسند وخير
كتلة للتشكيل، فبواسطة ذلك نشر الأسلاف - الأولون – أفكارهم ومعتقداتهم، رؤاهم وأحلامهم ومخاوفهم وبواسطته تعرفنا على تاريخ حياة المجتمعات البدائية في عصور ما قبل التاريخ وتعرفنا كذلك على جغرافيا الأوساط البيئية التي عاش فيها إنسانها، أما الملاحظة الثانية يمكن استخلاصها من سابقتها وهي أنَّ النشر حين نحدد مجاله بالنشر التشكيلى , نجد أنَّ نشأته التاريخية وكمجال تم تخصيصه وتحديده هي ذات النشأة التاريخية للنشر بوجه عام.
النشر التشكيلي في السودان، أو المفارقة بين الإمكانات والواقع:
دعونا نتأمل الملاحظتان - الآنفتي الذكر - على ضوء ما نملك نحن (السودانيون "من تراث تشكيلي قديم يتميز بالأصالة وبجماله الفني وعلى قدرٍ وافر الثراء والتنوع وفي مجالاته المختلفة" الرسم، النحت، الخزف، العمارة . . . إلخ) وما نتمتع به من خبرات متوارثة منذ قديم الزمان في مجال الحرف التقليدية، والأشغال اليدوية، والصناعات الصغيرة (كالنحت المصغر، والخزف، والنسيج . . . إلخ) التي تتهددها من كل ناحية مخاطر الطمس والإهمال والزوال، وعلى ضوء ما
يتمتع به الفنانون التشكيليون السودانيون من خبرات متميزة وتجارب متنوعة تتسم بالفرادة والندية . والمواكبة على مستوى التطور الذي بلغه التشكيل المعاصر وحركة الفن الحديث وعلى الصعيدين الإقليمي والعالمي. ولعله يلزمنا – هنا – تقديم بعض شهادات الإثبات لذلك (كتقارير الممتحنين الخارجيين - من البريطانيين - التي تشيد بمستوى أعمال – الدبلوما – لطلاب كلية الفنون الجميلة في فترتي الستينات والسبعينات، والجوائز العديدة التي نالها بعض
الفنانين التشكيليين السودانيين – من مختلف الأجيال – في المشاركات الإقليمية والعالمية والتي لا نستثنى منها مشاركات وجوائز أطفال السودان العديدة والملفتة للنظر وعلى المستويين الإقليمي والعالمي .
ولنتأمل مآل هذه الطاقات الحيوية الخلاقة وهذه الإمكانات المهُدرة التي لم تول العناية اللازمة والإهتمام اللائق ولم نحسن إستثمارها لصالح إثراء الثقافة السودانية ولصالح التنمية الروحية والأخلاقية للمجتمع وتشكيل وجدانٍ مشترك لإنسانه الذي يتحدث بأكثر من مائة لغة وتستقطبه بِحِّدة لغة واحدة، هي لغة الثقافة السائدة ويتزيأ – مُرغماً – برداء فوقي للوحدة الوطنية الظاهرية، لكن روحه – ومن تحت ذلك الغطاء السياسي تهفو لهمس لغة الأم ويتجاذبها
الإشتياق لثقافة هويتها ومن ثم تتنازع بين رغبتها في ألا يخبو وميض تكوينها الثقافي العميق وبين واقع شروط الثقافة السائدة، ويظل إحتمال تكوين الوجدان المشترك حلماً مرتقباً لا تعادله كل أردية الوحدة الفوقية السياسية، المسماة بالوحدة الوطنية وما شابه ذلك، ففي تقديري أنَّ بناء صرح هذه الوحدة الوطنية التي ظللنا نحلم بها ونزعم قيامها – من حين لآخر – ومنذ قيام الإستقلال عام 1956م، لن يتم تحقيقه فعلياً بغير أساسه الثقافي والوجداني
الذي يتعذر تشكيله – كقيمة للترابط الروحي – بقرار فوقي من النخب السياسية وبالإعتماد كلياً على لغة ثقافةٍ واحدة وبواسطة ثقافة اللغة وحدها الأدب، الخطابة، الشعر، الغناء . . . وما شابه ذلك) وهنا تبرز أهمية الثقافة والمعرفة الجمالية التشكيلية، ويتعاظم دورها في خلق ذائقة جمالية معافاة وفي تنمية الحس والذوق الجمالي العام وخلق وجدان زاهر مشترك للإنسان السوداني، فللمعرفة والثقافة التشكيلية ما للموسيقى الصرفة من قابلية الإستجابة
والإستيعاب السريع لدى المتلقي، ومن قدرة على شفاء الأرواح من سقمها وعلى إستمالة الأفئدة ودخول القلوب وخلق الإلفة وتيسير التواصل بين بني البشر وبلا معيق أو وسيط وبلا مترجم أو رقيب، ويكفينا للتدليل على حيوية وثراء حركتنا التشكيلية المعاصرة في السودان أنها قدمت للفكر والثقافة السودانية (ولغايات نشر المعرفة الجمالية) ثلاث بيانات فنية هامة وفي أقل من ثلاث عقود من الزمان وهي:-
1- البيان الكرستالي، وتاريخ صدوره 21 / 6 / 1976.
2- بيان مدرسة الواحد، وتاريخ صدوره .
3- بيان الحديقة التشكيلية، وتاريخ صدوره 3/ 10/ 2001.
النشر التشكيلي ما بين قصور المفهوم وتقصير السلطة الرسمية:
إنَّ جملة من الأفكار المبدعة ومن المقومات والمعطيات المبشرة التي تتوفر لمستقبل الحركة التشكيلية المعاصرة في بلادنا وأنّ كماً ضخماً من المقدرات والثروات الفنية المادية ومن الخبرات الفنية وكنوزاً – وطنية – حية من الفنانين المتميزين، تشكل رصيداً من الثروة – الإجمالية – للثقافة التشكيلية في السودان وتؤهلها لكي تلعب دوراً كبيراً في حياة الناس وللإسهام الجمالي الخلاق في قيام نهضة ثقافية شاملة، لا يخفي وضوح رؤيتها لك ذي بصرٍ ثاقب وكل ذي
بصيرة نفاذة، ولكنها رهن احتمال مؤجل وقيد جملة من الأسباب – الطارئة – التي تعيق تحقيق هذا الحلم الذي يراودنا وتفتقر له حياتنا التي تعاني – الآن – من تدني الذوق الجمالي العام ومن لامبالتنا تجاه فوضى الأمكنة وظلام القبح الذي استشرى وطغى على كل عين ولا سبيل لانقشاعه بغير إيقاد جذوة الوعي الجمالي الخلاق التي تبدأ بتثوير فهمنا للنشر وتطوير مفهومه بحيث يشمل (اللوحة، التمثال، البيت، المسجد، الكوب، السور، الصحيفة، السينما، الحذاء،
المتحف، الشارع، البث المرئي، الكتاب، الحديقة ، السوق ، المدرسة ، والإعلان . . . إلخ) وبحيث لا يقتصر فقط على نشر فنون العرض في صالة (الغاليري) المحدودة التأثير، وهذا بجانب نشر الأدب التشكيلي، باعتبار أنَّ النشر بنوعيه (الإنتاج الفني والمادي) في مختلف تجليات التصميم التشكيلي و(الأدب التشكيلي) بأنواعه المختلفة، ما هو إلا وسيلة تقودنا إلى النشر الأهم، ألا وهو (نشر قيم الجمال الفني) وهذا إن كنا نروم تحقيق الوعي الإجتماعي
الجمالي الخلاق وإن كنا نصبو لتحقيق التنمية الإجتماعية التي لا سبيل إليها بغير الإستثمار المبدع لجملة المعطيات والمقومات الآنفة الذكر والتي حين نتأملها ونحن نتدارس قضايا النشر والتوثيق التشكيلي في بلادنا وما يعتريهما من ضعفٍ وغياب يفضي بنا الأمر – ومن الوهلة الأولى – لا لشيء سوى إطلاق صرخة ما هذا ؟ ما دهانا ؟ وكمن يفيق بعد غيبوبة طويلة ليجد نفسه ماثلاً أمام كارثة محدقة أو حقيقة محزنة طرأت أثناء غيبوبته وتبينها بعد أن أفاق
منها . وما الغيبوبة الطويلة سوى ضعف الحس الجمالي وفقدان الذاكرة (البصرية، المعرفية، الثقافية، التاريخية) والتي نجمت عنها حالة من الخمول الذهني والشلل الفكري وتوابعها من الصفات والظواهر الإجتماعية السالبة كالتلكؤ والكسل واللامبالاة والفوضى وفقدان الثقة في النفس وفي ما أصاب الناس، فضلوا الطريق وغابت الأهداف والغايات بعد شح الموارد والمصادر والينابيع بسبب الأعطاب المتعمدة وغير المتعمدة وبسبب الإهمال الذي لحق بكيان المؤسسة
الثقافية الرسمية الفاقدة لأهم بنياتها الأساسية والفاقدة بالتالي للدور الحقيقي المفترض أن تلعبه والذي أدى إلى ركود الحركة الثقافية والى إختناق الحركة التشكيلية بوجه خاص . وما حركة المعارض النشطة التي إنتظمت/ وتنتظم بعض صالات العرض في الخرطوم في السنوات الأخيرة وبجهود الفنانين الذاتية ومن يعينهم من أصدقاء ونصراء للفن – وعلى قلتهم – والتي أشاد بها أكثر من مراقب مهتم وأكثر من مسئول رسمي، ليست بجديدة وماهى إلا محاولات متكررة
لفض هذا الإختناق الثقافي وخير دليل على قصور المؤسسة الثقافية تجاه هذه الحركة التي ((ليس لها عليها أي مِّنة)) كما عبر – معترفاً بذلك – وزير الثقافة الحالي([2]) .
وفي حديث له عن نشاط الحركة الثقافية بوجه عام والذي إنتظم – في الآونة الخيرة – مراكز العاصمة المثلثة ومنتدياتها الثقافية، كما هو خير دليل على ضعف دورها الأساسي في دعم وتشجيع العمل الثقافي أياً كان نوعه، ونجد أنَّ أهمه يتمثل في غياب بنياتها الأساسية ومشاريعها الثقافية الكبرى التي يتفق حولها غالبية المثقفين السودانيين وتلبي الإحتياجات الثقافية الحقيقية للمتلقي السوداني في مجال الثقافة، وتقع عليها مسئولية إنشائها، بيد أنَّ الدولة
بسياساتها المالية التي لا تعير – في ميزانيتها العامة – أدنى إهتمام للثقافة والثقافة البصرية التشكيلية على وجه الخصوص ونجدها بذلك قد أدت إلى تقليص الدور الحقيقي لوزير الثقافة ومعاونيه وقَصرتهُ على تشريف الإحتفالات وقص الشريط التقليدي وإلقاء الخطب، بينما تظل مهامه الأساسية مُهملة أو (مَتَقْلَه)([3])
ويظل إنجاز ما لم يُهمل منها، التزاماً لا يتعد حيز المنابر وحبر الورق أو يبقى وعداً مؤجلاً . وتظل مهمة التمويل للمشاريع الثقافية الكبرى – واجباً مُعلقاً – على عاتق الدولة ومؤسساتها الثقافية الرسمية. بجانب هذا يبقى أيضاً دورها في دعم ورعاية وتشجيع النشاط الثقافي ومشاريعه الصُغرى، ولكنَّنا – وللأسف – نجد أنَّ هذه المسئولية وهذا الدور قد لازمهما – ومنذ سنوات – الضعف والغياب والإضمحلال والإهمال المتعمد على نحو مأكده أحد رموز
السلطة الرسمية الثقافية ((لقد أهملت الإنقاذ ملف الثقافة))[4] فكان الإهمال ومن ثم الإهدار . إذ نجد أنَّ بعض المشاريع التي سيرد ذكرها لاحقاً ظلت طي الورق – لسنوات – ولم يُشرع في تنفيذها ! وأنّ بعضها قد بدأ العمل فيه وتوقف ! وأنَّ معظمها عبارة عن مشاريعنا ومؤسساتنا الثقافية القديمة المكتملة البناء
لكنها لم تلق الحفظ والصون بل أصابها الإهمال المتعمد وطالتها محاولات التجفيف والإزالة وبعضها قد باد فعلاً وإندثر، أو كاد، أو أنه آيلُُ للسقوط وهذا على أحسن وصف، وكما هو معلوم لدى الجميع، ونكتفي هنا بذكر بعضاً منها وعلى سبيل المثال :
- متحف الفن التشكيلي السوداني المعاصر الذي ظل حُلماً يراود التشكيليين ومنذ سنوات طويلة.
- المباني الجديدة لكلية الفنون الجميلة والتطبيقية التي ما أن تخصص لها قطعة أرض لإنشاء مبانيها الجديدة، تُنزع منها وتُمنح لجهةٍ أخرى وتعوض – بدلاً عنها – بقطعة أرض أخرى . وهكذا استمر الحال لأكثر من ثلاث مرات وعلى مدى حوالي ثلاث عقود من الزمان.
- مبنى مركز ثقافة الطفل الذي لم يكتمل تأسيسه وتجده يقف مشلول الإرادة وفاقداً لدوره الحقيقي بسبب غياب الرعاية اللازمة من الدولة رغم طموح العاملين -فيه - الذي يعيقه فقر الموارد وضعف التمويل (تم إنشائه في فترة الإنقاذ) .
- مركز الفن التشكيلي، الذي وضعت مشروعه لجنة تمخضت عن اجتماع خمسون فناناً لكنها – الآن – لا تعرف أين ذهب مال إنشائه الذي تبرعت به للمشروع جهة أجنبية خليجية (في فترة الإنقاذ).
- مركز الفنون (ART CENTRE) الذي كان من المفترض إنشائه بجامعة الخرطوم بمنحه مقدمة من اليونسكو مشروطة بمدى وجدول زمني لخطوات التنفيذ. لكن فكرة إقامة مثل هذا المركز لاقت رفضاً متعنتاً تسبب في الإخلال بشرط الإلتزام بالزمن مما ترتب عليه سحبت المنحة (في فترة الديمقراطية الثالثة).
- غاليري المجلس القومي لرعاية الآداب والفنون الذي تحول إلى مكتب لأمين المجلس المسئول عن رعاية الفنون ! والذي بدلاً من أن يسعى في إيجاد الحلول لضائقة النشر (عن طريق المعارض وتوفير صالات عرض أخرى) نجده قد قام بتعطيل صالة عرضنا الوطنية الوحيدة (في فترة الإنقاذ).
- صالة المعارض بأبو جنزير وبدلاً عن تحسين مبانيها وتطوير أدائها بنفس المكان أو في مكان آخر. أزيلت تماماً من الوجود (في فترة مايو).
- أسواق الحرفيين بأم درمان (كالإزالة التى تمت لسوق النساء لصناعة وبيع الطواقي، وسوق الرجال للمصنوعات الجلدية الشعبية) (في فترة مايو).
- حدائق الحيوانات بالخرطوم، والإزالة التي تمت لمبانيها وأشجارها بلا مبرر مقبول وقبل أيجاد مكان بديل لها ولحيواناتها بالخرطوم (في فترة الإنقاذ).
- الجامع الكبير بسوق أم درمان، تمت إزالته تماماً وأعيد بطراز معماري مختلف وأقل جمالاً (في فترة الإنقاذ).
- ضريح (بر أبو البتول) بأم درمان، تمت إزالته تماماً من الوجود (في فترة مايو).
- سينما الخرطوم غرب، الإزالة التامة لمبناها بعد تعطيل نشاطها وإهمالها لسنوات (فترة الإنقاذ ) .
- مؤسسة الدولة للسـينما والإنتاج السـينمائي اللتان انحسر وتردى نشاطهما وبشكل لم يسبق له مثيل (في فترة الإنقاذ).
- دار النشر التربوي ومركز التوثيق التربوي اللذان أصابهما الإهمال والخراب وفقدا كوادرهما المدربة وخبراتها العالية، وكلنا يعلم بالحريق الذي قضى على وثائقها ولمرتين متتاليين (فى فترة الديقراطية الثالثة) .
- أرشيف الصور لوزارة الثقافة الذي تعرض الى حريق قضى على كل الصور التاريخية الخاصة بمدينة أم درمان (في فترة مايو).
- دار جامعة الخرطوم للطباعة والنشر والتأليف التي فقدت كوادرها الفنية المدربة وتقلص كثيراً معدل إصداراتها (في فترة الإنقاذ).
- مجلة (تشكيل) التي وضعت دراسة كاملة لمشروعها ويزمع إصدارها الاتحاد العام للفنانين التشكيليين السودانيين فأعاق صدورها ضعف ميزانية الاتحاد التي لا تسمح بتسديد مبلغ 1.300.000 (مليون وثلاثمائة الف) دينار سودانى إشترطه لمنح التصديق على إصدارها مجلس الصحافة والمطبوعات (في فترة الإنقاذ).
وهذه الأمثلة بعضها كان قائماً وبعضها ما يزال ولكنه فقد قدراً كبيراً من فعاليته ودوره في نشر المعرفة والثقافة التشكيلية على وجه الخصوص وبعضها كانت مشاريعاً تحت التكوين وقيد التنفيذ، لكنها لم تر النور، وسنتناول – في هذه الورقة – جانباً منها وبشيء من التفصيل وفي موضع لاحق، ومما يلفت النظر أن هذه الصورة القاتمة لواقع النشر المعرفي الثقافي والتشكيلي منه على وجه الخصوص، لا تجد من يجهر بوقوفه وراءها، والتي تدعونا لطرح بعض ا |