Sudan Artists Gallery | home
About us Artists Collection Articles Art news Contacts Site map Links
Arti
Arabic Articles

هذا  دير للجمال فاقتربوا

الحداد الخفى يصلح غرابيل المطر

دعوة إلى السيد الصادق المهدى والآخرين للإنضمام إلى نصراء الحديقة التشكيلية

صلاح حسن عبدالله    

 


طيلة أيام الشباب
رافقتنى هذه اليد
وهذا الندى
هذه الصلابة
كصلابة الصنوبر العتيق
وهذا الإمتداد
كامتداد المروج
فى رسالتها الخالدة
للسلام
دون ان نهمل خيرات الأرض
ولا أبجديات المعرفة الأصيلة   
                             من أشعار بابلونيرودا

المرحوم أدم الصافي من طلاب كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بالخرطوم1974

طلاب كلية الفنون الجميلة والتطبيقية 1974 من اليمين عمر الامين و المرحوم حامد علي ابو القاسم

     وقد كان لإسم بابلونيرودا هذا مع مطلع السبعينات وقع خاص وسط طلاب كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بالخرطوم . كانوا مسكونين بالإطلاع  وبالتطلع نحو الأسئلة الصعبة ، والتى دفعوا الثمن فى محاولة الإجابة عليها تكلفة باهظة ومضنية ؛ فى السجون ، فى المعتقلات ، فى الطرد من الكلية ، فى التشريد وفى دمغهم بالفشل وبالعجز الأكاديمى وكافة أشكال الإساءات المرة مقابل محاولات التطلع نحو الأسئلة الصعبة . . تمت محاولات الإجابات على تلك الأسئلة الصعبة كمحاولات على الدروب الوعرة والخشنة ، وتمت بالمعافرة ضد قوى التخلف وضد الحرس السلفى اللئيم . وبقدر ما كانت كذلك فبقدر ما كانت محاولات تملك القدرة على خلق علاقات حميمة بينها وبين المتسائلين على تلك الأيام ؛ تلك الأيام التى يصفها حسن محمد موسى فى رسالة خاصة / عامة بكونها ( تلك الأيام الملهمة ) جريدة جهنم  العدد 18 مايو 2001 .  فياترى هل ألهمتنا تلك الأزمنة ؟ أم نحن ألهمناها ؟

       ربما كانت العبارتان صحيحتين . ولكن حسن موسى يستطرد فى رسالته عن تلك الأيام ويقول عنها انَّها قٌد أصبحت فى خبر (كان) !!  و(كان) هذه تحمل الكثير من خلفها . فقد كان لنا كتشكيليين نصيب من تلك الأزمنة فيه الكثير من المشقة والعنت .. وإذا كانت تلك الأزمنـة هى التى ألهمتـنا فهل سننتظر ازمنة أخرى شبيهة لتلهمنا مرة أخرى ؟ أرى أنَّنا فى حاجة لكى نلهم هذه الأزمنة حتى تلهمنا هى بما عندها . وعلى كل حال فلا المشقة إنتهت ولا ذهب العنت. ويبقى التطلع هو نفس التطلع حتى نصل ( نحن) و(الآخرون ) إلى كلمة سواء .

     فى مساء الأربعاء 3 / 10 / 2001 م تمَّ إعلان  بيان الحديقة التشكيلية الصادر عن جماعة النافورة وذلك ببيت السويد بالحديقـة العالمـية . تمَّ إعلان البيـان ، وفى الخـاطر مازال هنالك الكثـير مما ( كان ) . وتم تذييل البيـان بعبارة ( حرَّره علاء الدين الجزولى نعيم ) . . هو نفسه علاء الدين الجزولى نعيم الطالب الذى سبق أن فصلته إدارة كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بالخرطوم وألصقت به ، جزافاً وإعتسافاً ، تهمة الرسوب فى الإمتحانات فى نهاية العام الدراسى 73 / 1974م ، بحجة أنَّه غير مؤهل أكاديمياً . وذلك ضمن حملة واسعة ومنظمة ، كان نصيب علاء الدين وهاشم محمد صالح والمرحوم حامد على أبوالقاسم منها الفصل ، ونصيب كل من أحمد البشير الماحى وعمر الأمين وبدر الدين حامد منها الإعادة . ثمَّ تدرَّج عدد كبير من الطلاب بين ملحق واحد إلى ثلاثة .

   فى الحوار الذى أجراه حسن موسى مع علاء الدين الجزولى فى معرضه (معرض علاء الدين) بالمجلس الثقافى البريطانى بأمدرمان عام 1976 بعد فصله من الكلية ، كان علاء الدين يقول ( بالنسبة للتلوين فقد إعتبروا أعمـالى التى  قدمتـها فى نهاية العام الدراسـى دون المسـتوى . ولم يحاول أى منهم إفهامى " كيف ؟ " و " لماذا ؟ "  .. .. بالنسبة لتاريخ الفن فقد رفضت أن أجيب على أسئلة الإمتحان لأنَّنى كنت ومازلت أعتقد أنَّ تاريخ الفن بالرؤية وبالطريقة التى يدرس بها فى كلية الفنون لا يقدم للطالب أى فائدة تذكر ؛ مجرد ركام من المعلومات المفرقة بدون أى رؤية نقدية تربطها . وفيها الكثير المغلوط ، والكثير الركيك من النماذج الفنية والفنـانين . وكل ذلك يقدم بطريقة لا تقبل المناقشة . . . لقد تجاهلوا محاولاتنا للوصول إلى صيغة أكثر جدوى كأن نقدم بحوثاً فنية بدلاً من طريقة الحفظ العقيمة التى توضع بطريقة تكون معها مضطراً لتسميع المعلومات التى سبق أن حاصروك بها فى ما يسمى بمقرر السنة الدراسية ) جريدة الأيام عدد 27 / 7 / 1976 .

     عقب فصله من كلية الفنون إلتحق علاء الدين بأكاديمية الفنون بموسكو بالإتحاد السوفيتى (سابقاً ) وتخرج فيها عام 1986 بدرجة الماجستير فى قسم التلوين ( نفس القسم الذى فصل منه فى 1974 بكلية الفنون الجميلة والتطبيقية بالخرطوم ) .

    ورغماً عن مرارة ما حدث ، ورغماً عن مرارة الواقع الحاضر بكل سوءاته وعوراته إلا أنَّ علاء الدين ظلَّ ممسكا بـ (أوممسكاً به) وسواس التطلع نحو الأسئلة الصعبة ؛ هذا الوسواس القدرى الملعون والذى يسكن بعضاً من الناس ويفرِّخ فيهم أشياءً لا تواتيهم إلا لحظات وعيهم وإشراقهم ، وهى غالباً أشياءاًً مكلفة ومرهقة . ولكنها أشياء مجيدة ومشرفةًَ لهم ولتاريخهم.

     إنَّ الحديث الوارد هنا عن علاء الدين الجزولى لن يقلل من قيمة صراحة وصرامة الوضوح النظرى الذى عبر عنه الدكتور عثمان محمد الخير عقب إعلان البيان إضافةَ إلى  مساهمته فى مناقشة البيان قبل صياغته الأخيرة ، ولا  من مساهمة الأستاذ محجوب بشير كبلو فى مناقشة البيان قبل صياغته . وأيضاً لن يقلل من قيمة  الكلمات الراسخة والممتلئة بالثقة التى عبر عنها حسين عبدالرحيم أثناء مناقشته للبيان عقب إعلانه ولا من نقاء أحمد حسين ولا من مساهمات إسماعيل عبد الحفيظ والذى يبدو أنَّه يشكل يداً خفيةً فى كثير مما يهم فكرة نواة تكوين الجماعة . وهناك آخرون أسهموا فى إعداد البيان بمستويات مختلفة ، يأتى فى مقدمتهم الأستاذ عبدالله محى الدين الجنيد ، شهاب دياب الزبير، مزمل حسن الطاهر ، أميمة حسب الرسول ، عبد المجيد عفيفى وغيرهم ممن أسهموا بمستويات مختلفة .  وذلك يقودنا إلى ما هو أكثر جوهرية فى المسألة ؛ ألا وهوصيغة التفكير والعمل الجماعى . وهو ما يمهد للبيان ، أكثر من غيره ، لكى يحمل ملامح تختلف عن ملامح البيانين السابقين الذين سبق أن إنطرحا على الساحة التشكيلية فى السودان وهما البيان الكريستالى وبيان مدرسة الواحد ، حيث إنحسرت المدرسة الكريستالية عقب سفر محمد حامد شداد كمنظر محورى فى المدرسة الكريستالية وهو ذات الأمر الذى يفسر محاولة التبرير من طرف الدكتور أحمد عبدالعال يوم أن سئل عن غياب بقية الموقعين على بيان مدرسة الواحد  كممثلين لها على السـاحة التشكيليـة ، فأفاد  بأنَّ (البيان هو أصلاً  سقف يحاول هو أن يشد الآخرين إليه)  برنامج عالم النجوم ـ سبتمبر 2001 . وعلى كل حال تبقى جماعية العمل لإستقطاب النصراء والأصدقاء هى المحك لجماعة النافورة .

     تمَّ إعلان بيان الحديقة التشكيلية وتناوله بالتعليق ليلة إعلانه إثنان من المتحدثين الرئيسيين هما التشكيليين محمد حسين الفكى ومحمد عبدالرحمن بوب ، بعد أن وجهت الدعوة إلى السيد والى ولاية الخرطوم ، وإلى السيد محافظ محافظة أمدرمان ، وإلى السيد محافظ  محافظة بحرى ، وإلى السيد  محافظ  محافظة الخرطوم وإلى السيد وزير الدولة بوزارة الثقافة والإعلام . ولم يحضر أى منهم ، ولم نعرف شيئاً عن أسباب عدم حضورهم ، مع تأكيد حضور السيد السموؤل خلف الله أمين عام الهيئة القومية للثقافة والفنون رغماً عن عدم إنتظاره ساعة إعلان البيان . ولاشك أنَّ معرفة ملابسات وظروف عدم حضورأى منهم هو جهد رهين بجهود الصحفيين المحترفين . ولكن من يسأل الصحفيين أنفسهم ؟ ؟  فقد وجهت الدعوة لأربعين منهم ، إعتذر منهم بحضوره شخصياً ، وبشكل متحضر ، فقط الدكتور مرتضى الغالى . وقد ساقت أغلبية الصحفيين الذين لم يتمكنوا من الحضور حججاً  مختلفة . ومع تقديرنا للظروف المرضية التى المت ببعضهم  ولم تمكنهم من الحضور، ولكن لنا أن نتساءل ما الذى يشغل بال صحافيينا إلى هذا الحد ويصرفهم عن تواجدهم فى مواقع الحدث ؟ هل الحدث هنا لايرقى إلى مستوى ضرورات الحضور ؟  أم أنَّ صحافيينا قد تطبعوا على متابعة مثل هذه الأحداث من مكاتبهم ؟ ولكن نفس الصحفيين سجلوا حضوراً مكثقاً ليلة تكريم العاملين الذين أنجزوا قيام مجمع العلوم الطبية بكلية التقانة إلى الحد الذى جعل الأستاذ سعد الدين إبراهيم رئيس تحرير جريدة الحرية يبدو وهو مزهواً جداً ومنتشياً بالحضور الذى شمل من محى الدين تيتاوى حتى عفاف حسن أمين ، ومابينهما من أجيال الصحفيين من أدريس حسن لغاية لبنى أحمد حسين (جريدة الحرية عدد 25 / 10 / 2001) . فهل الإهتمام بالحضور هنا لأنَّ الدعـوة هى للتكريم وما يتبعـه من الأشـكال الإحتفاليـة ، أم لأنًّ الدعوة صادرة من إدارة كلية التقانة  وليست من جماعة تشكيلية ؟ ؟ السؤال بصيغة أخرى : هل الإهتمام بالحضورهنا لأنَّ كلية التقانة هى من ممولى الإعلانات بينما جماعة النافورة لاتملك مثل هذه الصفة ؟ ولكن التشكيليين هم الذين  يقومون بتصميم هذه الإعلانات . ترى ماذا لو أضرب كل التشكيليين عن العمل ؟ لا شك انَّ الخاسر فى هذه الحالة هو أصحاب الصحف أولاَ ، يليهم ممولى الإعلانات ثمَّ تأتى البقية . على كل حال فإنَّ ذلك ليس مهماً الآن . ولكن ما يهمنا الآن هو محاولة رصد طبيعة العقلية السائدة فى مجال العمل الصحفى والتى تؤكد حتى شيئاً واحدأ ، ألا وهو إستعداد الصحفيين للحضوربغرض المتابعة لأى مشروع  بعد الفراغ  من إنجازه ؛ متابعة المشاريع الجاهزة . أمًّا المشاريع تحت الإنجاز والتى تحتاج إلى الجهد وإلى إعمال الذهن فهى خارج دائرة إهتمامهم . وكل ذلك يتراجع  قليلاً إذا حاولنا الغوص أكثر قليلاّ فى طبيعة هذه العقلية والتى تفيدنا انَّّ الصحافين  ، رغماً عن الفصاحة التى تتبدى منهم أحياناً هنا وهناك ، هم اناس منحازون للملكية الخاصة ولمممثليها من كافة أشكالهم وألوانهم ، أماَّ الذين لا ملكية خاصة لهم فليبحثوا لأنفسهم عن مواعينهم . وتلك عقلية ليست جديدةً فى شىء ، وليس صعباً ملامستها عبر ركام السنوات الممتد من 1956 حتى اليوم ؛ ركام التربية والترويض الذى لم يفرِّخ سوى الخمول والكسل الذهنى والإتكاء على المؤسسات ، وليس محاولة الإنجاز . هو ركام أشبه بركام الأنقاض على شوارع الخرطوم . فيوم أن حاولت محلية الخرطوم إزالته من سطح شوارع الخرطوم غرب ، أخذت تحفر وتحفر وتحفر فى سبيل الوصول إلى الأسفلت القديم ؛ أسفلت ماقبل 1956 . وبعد أن حفرت على عمق أكثر من متر كامل وصلت أخيراً إلى الأسفلت القديم ؛ أسفلت ماقبل 1956 ، بعد أن أزالت الكثير من الأشجار ومن مظاهر الحياة من على سطح الشوارع  . فذلك هو ركام السنوات ؛ وهو لم يكن ركاماً على سطح الشوارع فقط ، بل هو ركام على رؤوس الناس إمتد منذ 1956 ومازال مستمراً ومتفاقماً كل يوم .

      نرجو ألا يقع فى  روع الأخوة الصحافين أنَّنا بدعوتهم للحضور ، نلهث خلفهم إلى هذا الحد أوأنَّنا نحاول أن نستجديهم ، ولكن هنالك مشكلة عامة إسمها فيروس القبح نأمل منهم النظر اليها بعين المسئولية . وطالما ظل الأستاذ الحاج ورَّاق عند مقولته بأنَّ المثقف الذى يلعق أحذية السلطة غير مؤتمن على الديمقراطية فإننا نضيف أيضاَّ أنَّ التشكيلى الذى يلعق أحذية الصحافة غير مؤتمن على الحركة التشكيلية . فالسلطة هى السلطة سواء كانت سياسية أو صحفية .

     وعلى كل حال  فسواء كان هذا أم ذاك فإنَّ ذلك يتطلب من التشكيليين النظر إلى المسألة بجدية أكثر . ويبدو أنَّ تعلم المهنة الصحفية والإعلامية والعمل المؤســسى قد أصبح لا يقل أهمية عن تعلم الممارسة التشكيلية نفسها لدى للتشكيليين . وماحك جلدك مثل ظفرك . ولنضع ذلك فى خانة الأسئلة الصعبة التى طالما تنكب التشكيليون مشقة السيرعلى دروبها الوعرة والشاقة .

     من بين الحضور كان الأستاذ محجوب بشير كبلو الذى حضر كشاعر وليس كصحفى وقدَّم فى مستهل الليلة قصيدته (حديقة) والتى إستعرنا طرفاً من أبياتها عنواناً لهذه المقالة ( فى طرف قصى من البلدة ... الحداد الخفى يصلح غرابيل المطر) . وأى مطرِ هذا الذى أنعش فى الذاكرة طرفاً منها حفظ بعضاّ من أشعار بشرى الفاضل  الذى ربطته علاقات أكثر من وطيدة مع طلاب كلية الفنون منذ مطلع السبعينات :

 

                 إهطل خيراً يا مطر السقيا

                 حتى لو كنت قوياً

                 مندفعاً كالسيل

                 وأبصر طرقات مدينتنا الغبراء

                 ونظِّف عنها عار الليل

 

     وفى الأيام التالية تم نشر البيان على صفحات ثلاث من الصحف ؛ جريدة الصحافة (16 / 10 / 2001) ، جريدة الأيام ( 13 / 10 / 2001 ) وجريدة الشارع السياسى ( 18  و  23 / 10 / 2001 ) . وأكثر من ذلك فقد تناوله الدكتور مرتضى الغالى - جريدة الخرطوم ( 2 /10 / 2001 ) والأستاذ نجيب نورالدين جريدة الخرطوم - ( 6 / 10 / 2001 ) ، والأستاذ محجوب بشير كبلو - جريدة الحرية ( 10 / 10 / 2001  ) ، ثمَّ الأستاذ يسن حسن بشير - جريدة الأيام ( 51 / 10 / 2001 ) والأسـتاذ من الله عبد الوهاب جريدة الخرطـوم ( 18 / 10 / 2001 ) . يهمنا من تناولهم بشكل خاص لغتهم التى جاءت خالية من عقد المثققين وحذلقتهم عندما يرد الحديث عن المسألة التشكيلية أو المسألة الجمالية . لقد تناولوا البيان تناولاً حمل الكثير من الحميمية والكثير من الأشواق لتطلعات جماعة النافورة . وهى جماعة مازالت فى حاجة لإستبصار الكثير من معارج الطريق ونتوءاته بدءاً من (الجدار السميك الذى كتب عليه وعلى طريقة تعليق رسامى الكاريكاتير – عدم جدوى الفن فى السودان) على نحو ما جاء فى البيان ، وإنتهاءاً بإختبار القدرات الذاتية الحقيقة للعضوية على الحركة ، وعلى لم شمل أطراف الجماعة . ثمَّ فحص ومعرفة تعقيدات الواقع الموضوعى والتى نحاول هنا أن نستبصر طرفاً منها :

  * لقد خرجت جماعة النافورة بالتشكيل من لوحة الحامل إلى مفهوم أكثر رحابة للتشكيل يشمل كل أشكال  المرئيات . وهو نفس المفهوم الذى ظل علاء الدين يطرحه مع عدد آخر من التشكيليين خلال سنوات طويلة . وأوسعوه جدلاً ونقاشاً حتى صاغه عبد الله بولا مؤخرأً فى مسلسل  بداية مشهد مصرع الإنسان الممتاز ، ثمَّ فى معرضه بالمجلس الثقافى البريطانى بأمدرمان (قادتنا هذه الرؤية الجدلية إلى مفهوم للتشكيل  أكثر شمولاً للظاهرات التشكيلية هو أنَّ التشـكيل ، علم صياغة الأشكال المرئية فى علاقة جدلية لا نهائية ، يتميز بذلك عن أشكال الفنون غير المرئية - الشعر الموسيقى الأدب . . . إلخ  -  وتتسع دائرته لتشمل جميع أنشطة صياغة المرئيات التى أبعدها النقد السلفى بمنطق إنتقائى ملتبس . وتسقط فى الوقت نفسه حصون الأوهام التى شادها النقد الرسمى . وإنعدام المعيار الموضوعى) صالة المجلس الثقافى البريطانى أمدرمان إبريل 1976 . والمهم فى ذلك هو أنَّ الطريق لمخارجة العمل الخلاق ، العمل الجديد المبدع، ليس ممهداً وربما يحتاج إلى وقت ليس بالقصير ليتحول إلى فعل واقع . 

* عمر المدينة لدينا ما زال قصيراً . وما زالت المدينة لدينا هى أقرب الى القرية حيث غدى شكل القرية يضفى كل يوم المزيد من ملامحه على شـكل المدينة . فالمدينـة تتـطور فى كل أنحاء العـالم فى إتجاه شـكل المدينة  (الحديثة) . ولكن المدينة لدينا (تتطور ! !) فى إتجاه شكل القرية . وذلك ليس هو موقف ضد القرية ، ولكن فلكل منشأة متطلباتها وأغراضها وأدواتها . فتماماً كما أن للقرية متطلباتها وأدواتها وأغراضها ، فللمدينة أيضاً متطلباتها وأغراضها وأدواتها . فكيف يمكن حل مثل هذه المعضلة ؟.

   * العلامات التوضيحية على الشوارع (فى حالة وجودها) أصبحت علامات مضللة أكثر من كونها لا تتوخى القيم الجمالية . مع تقديرنا لإدارة شرطة المرور التى أصبحت هى الجهة الوحيدة تقريباً التى تحاول إستخدام العلامات التوضيحية الإستخدام الأمثل على واجهة المدينة ، رغم العثرات التى قد لا يكون لإدارة شرطة المرور يد فيها .

   * إهتم البيان بجماليات التشكيل على فضاء المدينة (العريض) . وسواء قصدت جماعة النافورة أم لم تقصد ، فإنَّ ذلك يفتح الباب واسعاً أمام النظر للفعل الجمالى على عدة مجالات من مجالات العمل التشكيلى مما لن يكون حصره  هنا ممكناً . فالخرطوم تستثمر حالياً ، وعلى سبيل المثال , الملايين من روؤس الأموال يومياً فى مجال الطباعة ولكن مطبوعاتنا فى أغلبها لاتتوخى هى الأخرى القيم الجمالية فى الطباعة . وإلى جانب ذلك يصدَّر جزء كبير من روؤس الأموال هذه الى خارج السودان لإستثماره فى الطباعة فى سوريا ، مصر ، قبرص ، ماليزيا وغيرها . وفى نفس الوقت تعمل الأغلبية من التشكيليين فى مجالى التصميم والطباعة . فكيف يمكن أن نحارب (فيروس) تهجير رأس المال ، لصالح تحسين البيئة الجمالية فى الطباعة ، فى تصميم المنسوجات ، فى الخزف , فى التصميم الصناعى , وبالطبع فىإزالة فيروس القبح الذى يتبدى على فضاء المدينة .

   * كل ذلك وغيره لن تكون معنية به جماعة النافورة وحدها . ويأتى فى مقدمة الجهات المعينة بذلك الجهات الرسمية . ولكن بيان الحديقة التشكيلية ورغماً عن الإحتفاء الذى قوبل به من قبل كثير من الخيرين ، إلا انَّه يأتى ضمن مناخ غير مواتىٍ ، يأتى متزامناً مع إعتذار السيد وزير الدولة بوزارة المالية عن تمويل معرض الخريف الجماعى للإتحاد العام للفنانين التشكيليين السودانيين ، رداً على خطاب السيد صديق مجتبى وزير الدولة بوزارة الثقافة والسياحة (سبتمبر 2001) . ليس مهماً هنا حجم المبلغ ، ولكن يا ترى ماهو رد الفعل وسط التشكيليين ؟ مائتان وخمسون عضواً مسجلين بالإتحاد العام للفنانين التشكيليين ، وهذا العدد مضاعفاً موجودون خارج السودان ، مستعدون لتقديم لمسة جمالية على وجه الخرطوم ، ترى ماذا سيكون رد فعلهم ؟ خاصةً وأنَّ المبلغ الذى كان مطلوباً للتصديق عليه هو مبلغ يسير جداً مقارنة مع بنود الصرف الأخرى داخل وزارة المالية .

     ومع إحتفاظنا للسيد صديق مجتبى ، والذى نصنفه ضمن قبيلة المبدعين قبل أى تصنيف آخر ، بموقفه فى مبادرته بكتابة خطاب طلب التصديق ، إلا أنَّ السؤال ما زال قائماً أمامه : فلماذا لم يطلب التصديق خصماً على بند مال تسيير وزارة الثقافة والسياحة ؟ مما كان سيجنبنا الكثير من القيل والقال .  وعلى كل حال فمازال هنالك متسع من المساحة أمام السيد صديق مجتبى لإصلاح ما أفسده السيد وزير الدولة بوزارة المالية . وهو ليس فى حاجة لأن نذكره بأنَّ  الخرطوم قد إعلنت عاصمةً للثقافة العربية عام 2005م مما يستدعى الإعداد قبل وقت مبكر.  ويهمنا هنا أنَّ نشير إلى واقعة واحدة فى تاريخ الحركة التشكيلية تمت فى ديسمبر 1980 على يد الدكتور إسماعيل الحاج موسى وزير الدولة بوزارة الثقافة فى ذلك الوقت ، يوم أنَّ تكفَّل برعاية وتغطية تكلفة معرض الفنان والأفكار . ورغماً عن كون الدكتور إسماعيل الحاج موسى هو أحد رموز النظام المايوى الذى إنقلب عليه كل الناس وأحالوه إلى متحف التاريخ إلا انًّ إثبات الوقائع كما هى هو ضرورة . فهل سيكون فى وسع السيد صديق مجتبى أن يضيف واقعة ثقافية أخرى إلى الواقعة التى أثبتها الدكتور إسماعيل الحاج موسى ؛ واقعة تجمَّل ، ولو بعضاً ، من واجهة الخرطوم ؟ نذكر ذلك ونحن ننظر إلى نوع الحوار الذى دار بين الدكتور غازى صلاح الدين مستشار رئيس الجمهورية والأخ الحاج ورَّاق مدير عام جريدة الحرية ، وأورد الأخير طرفاً منه على صفحات جريدة الحرية بعموده (مسارب الضى عدد 16 أكتوبر) وإنتهى الحوار ملخصاً بالإشارة إلى ( شرارة دعاوى المثقفين المهمشين والمدفوعين إلى خارج النظام القائم ومشروعيته)  وأنَّه  (من مصلحة إستقرار أى نظام عدم إغلاق منافذ التعبير أمام المثققين حتى لا يدفعوا بوضعية ، لن نخسر إلا السلاسل ، إلى الأنشطة الثورية .. وبداهة لا يمكن إدماج المثقفين فى المشروعية القائمة إلا بحريات واسعة وإصلاحات مستمرة ومتنامية ، وهكذا يجهض الإصلاح الثورة) . وذلك هو أشبه مايكون بنصيحة السيد هنرى كيسنجر ، المتأخرة ، لشاه إيران بعد أن وصلت الأمور إلى الحلقوم ولم يعد إرجاعها ممكناً . وعلى كل حال فهى رشوة ، ولكنها ليست من نوع الرشاوى الوضيعة . وعلى الأقل فهى لا تورد الراشى ولا المرتشى موارد الهلاك من العقاب السماوى ولا الأرضى . فما أجملها من رشوة . وحقاً فما الذى يمنع سلطة ملكت مفاتيح الإقتصاد بكاملها . وملكت جهاز الدولة بما فيه أجهزة القمع بكامله بين يديها ، ما الذى يمنعها من إفساح مساحة ما للمثقفين والذين فشلوا فى إنجاز ، ولو مهمة واحدة  ، من مهام إنتفاضة مجيدة كإنتفاضة مارس إبريل يوم أن كانوا قاب قوسين او أدنى من السلطة ، ولكنهم اليوم فى أضعف حالاتهم بعد أن تفرق معظمهم  فى مختلف أنحاء العالم.

 * ما تزمعه جماعة النافورة لا ينفصل عن مجمل تعقيدات الحياة الإجتماعية والسياسية الماثلة أمامنا الآن . خاصةً وأنَّ القوى السياسية التى سادت الحياة فى السودان منذ 1956 لم تكن محاربة القبح  واحداً من أجندتها على الإطلاق . فمن من هذه القوى يمكن أن يكون نصيراً لبرنامج لن يضار منه أياً منها ، مهما كانت ثوابته او أطروحاته الأساسية . تورد الأستاذة رباح الصاق المهدى طرفاً من المسألة ضمن حديثها عن هموم اليسار فى معرض دفاعها عن السيد الصادق المهدى (اليسارالسودانى مدرسة فكرية تهتم بالجمالى والفنى والإستطيقى لدرجة انَّ كثيراً