Sudan Artists Gallery | home
About us Artists Collection Articles Art news Contacts Site map Links
Arti
Articles/ Arabic
 

معتصم حسين موسيقار الفن التشكيل السوداني   

عبد الحليم الخير*

 

 

من أعمال معتصم حسين عمر

 

وبما إن الكتابة والرصد   التوثيقي في مجال الثقافة بعمومية الصفة، والفنون في جزئيتها وخصوصيتها، مليء بمخاطر ومحاذير جمة، في ظل هذا الخطاب الشمولي العام في مفاهيمية غريبة لم تؤطر للكيان والجسد الثقافي إلا بأطر الانقياد والتبعية، المتأرجحة بين اختلاف القناعات ومابين جدلية التأصيل والانفتاح. في سياق هذه الخلافات التي لم تجد سبيلاً للحل، سوى المزيد من الاختلاف والتشرذم والتفتت في عضد الفكر الإنساني في محيطنا المحلي، وفي غلو وتهافت على كل ما يدعم الكيان الشخوصي الذي يرتكز على عصا خيزران مطاطي تتبدل انحناءته حسب تبدل السياق المادي للحقل الثقافي.  دعما لتكريس كل ما يبث مفاهيم الثقافة المادية الجديدة وثقافة اللذة السريعة والتي استشرت في جسد الجيل الشاب من الأمة. وتزداد هذه المخاطر والمحاذير عندما تدخل حقلا إنسانيا كونيا وفرع رفد الثقافة في عالمنا العربي بشخوص أبدعوا في مجال لا تملك إلا أن تنظر لواقعه الراهن والتاريخي، بكل الحيرة والغموض الذي يكتنف مساراته التاريخية والمستقبلية، ارتكازا على تاريخ من القطيعة المحبطة والأمية البصرية التي صارت عند الفنان التشكيلي موجهه الداعم للهروب من هذا الواقع المتخلف والمتهالك.

 

وبما أننا لسنا في سياق تداول الواقع الثقافي وفنونه التشكيلية وأسباب عدم استيعاب مضامينها الجمالية، إلا أنني في محاولة لرصد تجربة فنان تشكيلي سوداني مُجد، وواعي اختط لنفسه منهاجا منتميا لواقعه وصل به للعالمية، مما جعله مدرسة تشكيلية قامة في سياق الحاضر التشكيلي السوداني   والعربي والعالمي .  كنت قد تتلمذت على يديه في بداية التسعينيات من القرن الماضي، بقسم التلوين بكلية الفنون الجميلة  والتطبيقية بالسودان. نشأت بيننا علاقة صداقة واتفاقات ضمنية لمواجه هذه المفاهيم الغريبة للفن التشكيلي ليس نظريا، وإنما من خلال التجريب الواعي ووفق مفاهيم وتقنيات متقدمة جدا.  بعيدا عن صراع الذات مع تلك المرحلة الانعطافية الحادة في سياق علاقة الدارس وأستاذه. وإنما كان منهجه يستهدف صياغة نفسية الفنان المنتمي وبما يكسبه أدواته المعرفية كاملة وبحرية في التجريب المقنن بتشدد أكاديمي وعين فاحصة،  استخلصت أنا منها شخصيا مفهوم غلبة الفكرة في تكوين العمل الفني ومن ثم تأتي بقية العناصر الداعمة لصياغة وإخراج العمل الفني. لكن هذه القناعة لم استحضرها إلى بعد زمن في سياق البحث عن ذات واعية بهم كبير ومتعاظم تجاه واقعنا كتشكيليين .وبعيدا عن الشخصانية التي يتمسح فيها الكثيرين لإظهار وتلميع النجوم سواء بحق المنهج السليم أو بضعفه حتى ترسيخهم في ذاكرتنا كقادة للإبداع والنشاط الفكري الخلاق. ورغما عن إنني لم التقيه لما يقارب الاثني عشرعاما ويزيد، وانقطعت بنا سبل الاتصال واللقاء والمشافهة لتشتتنا في بقاع الارض كل يضرب بحثا عن مبتغاه .

.

فمعتصم حسين عمر فنان سوداني امتلك كل أدواته الفنية وفرض سلطة محفل بحثي تشكيلي جديد صاغه بذات واعية ومدركة بقيمة الانتماء ، وبادراك أعمق بقيمة التجريب والبحث في مفردات التراث والثقافة السودانية  بكل قيم الحداثة وعيا بضرورة انتماء الفنان بكليات وجدانه وذاته المبدعة الى مفرز وثقافة مجتمعه في خصوصية وتواصلية مفرحة، التصاقا بضدية هذا التهميش الذي يلقاه أمثاله من النوابغ من قبل المؤسسة الرسمية او من قبل المجتمع المغلوب على أمره فكريا في غالب أحايين وجوديته وإنسانيته المرجوة . هذه الشخصية التي تعكس جمال إنسان السودان وإمكاناته الإبداعية التي غطت عليه سنينا بوائد واطر السياسة العمياء عن تقديم الفعل الثقافي، على كل منجز إنساني آخر والعرجاء في تعرج مسارنا الثقافي الراهن والواهن الآن فهو شخصية هادئة، لذاتها هائمة في عوالم وفضاءات البحث عن الجمال، وفق أهداف جعلت منه صاحب مدرسة فنية متفردة بكل ما تحمل معاني التفرد من قيم إنسانية داعمة لرسوخ القيم في صور تتمايز مع كل بيئة مجتمعه ذات الصيغ الثقافية المتمازجة في تنوع لا مثيل له من حيث الكم والنوع .وأن يتفرد فنان بصياغة جمالية عميقة لثقافة ومفردات مجتمعه لهو قرين للإبداع في أبهى صوره السامية . منذ ثمانينيات القرن الماضي بداية رحلة هذا المجبول على الإبداع بكلية الفنون تجده من الفنانين السودانيين والعرب القلائل الذي تستطيع إن ترسم له خطى تصاعدية في عمق التجربة التي تخلق سيرة الفنان تأثيرا وتأثرا لم يفارق خطوطها العريضة يوما إلا بتعريضها أكثرا نحو انتماؤه لذاته السودانية،  كيف لا وهو قد رفدته البيئة السودانية من بيئتها القروية المحافظة بكل ما تنتجه من مفرز وموروث ثقافي تكونت معها شخصيته المتوثبة بعادات قبيلته التي انتمي وينتمي لها بعيدا عن عصبية أو مذهبية محا هو كل معالمها بإعمال وتحف خالدات ليستوعب عموم المفرزالسوداني . وبالنظر الفاحص ليس بعين الخبير لان ذلك سيكون ادعاء إلا أن هذا الفنان قد أبعدنا تماما عن النسبية والعبثية وكل الفلسفات الغريبة و الغربية في قراءة العمل الفني، في وضوح وسطوع جمالي تستطيع تمييز عمله وللمرة الأولى من بين مائة فنان، تجذيرا منه لما امتلكه من أسلوب وروح مغايرة لمعاني اللوحة   الحقيقة   المبتعدة خطوات مسرعة عن الصدفية أو الافتعالية اللحظاتية . ففي كل مراحل إنتاجه تجد دراسات تتطور   وتستقي من هذا الفكر الثابت كثوابت منابعه الأصيلة، فالمكون الفني لنتاجه الإبداعي ووفق هذه المرحلية تلحظ فيه قصصية عالية جعلت من دراما لوحاته سردا وتسجيلا لقصة حياة إنسان السودان، بكل ديمومتها وديناميكية حركتها المتبدلة وفي صرامة قوالبها القبلية الحاسمة . وهذه القصصية بما تحمله من مفردات وموسيقى لونية عالية الجرس جعل من هذه النوتة الموسيقية تنازع الفكرة وتدعم تطويعها في قوالب تكوينية مرنه الخطوط تتمايل سيمفونياتها بندرة النشاز فيها. فالمهتم بتجربة هذا الفنان يلحظ إن هذا ليس سردا لغويا ذو محسنات بلاغية، إنما استطاع هذا الفنان قيادة نفسه وعمله لأسلوب متفرد عالي التطريب في بناء دراما القصة داخل اللوحة وبمهنية وحرفيه عالية جدا تنم عن موهبة فطرية وثقافة أكاديمية عالية. في هذا الحبك الدرامي، نلحظ   انشغال الفنان بكثافة ببناء فكرة العمل ومن ثم تكثيف الصيغ التصميمية في مجموع إعماله وفي أطار اللوحة الواحدة ابتعادا عن الحشو والصدفة، وبعيدا عن أي ركاكة في تناسق عناصر لوحته وانغماسها في هذا الكم الهائل من النغمات اللونية   وشفافياتها. ص

 

مع تميزه الفارع بتبدل باليتة ألوانه وفق احتياجات التكوين العضوي للعمل، مما أعطى صرامة واضحة في اختيار مدروس لكل العناصر المكونة للعمل تنسينا لها معالجاته اللونية وأساليب تنفيذه للعمل. وهذا الامتياز الفارق في تجويده لتصميم مساحات أعماله وتوزيع عناصرها جعل من هذا الفنان مدرسة خاصة في هذا الجانب. فالكتل الشكلية تبرز بصفة مباشرة لتحمل تنوعا لونيا وزخرفيا لمفردها في سياق الروح اللونية العامة للعمل الواحد، وجعل هذا قارئ لوحته بعيدا عن المفاجآت والقفزات في تنقله بين جنباتها فتنتقل العين بكل يسر وسكينه، في تواصل عذري رغم احتشاد العمل الواحد بكم هائل من المفردات اللونية والشكلية والزخرفية. وهذا تأكيد مستمر بوعيه بالمنهج الذي اطر عنده للمفاهيم الأساسية لقيادته للعمل الفني وبعيدا عن أي تيبس في مفاصلها او جمود ، والذي استطاع معه ان يستنطق هذا الغموض العصي لفهم كينونة العمل الفني . فتغريده خارج سرب رصفاءه من أبناء قبيلته في بحثه عن تحقيق ذاته أولا جعل من المعيب على زماننا هذا إلا لفت الانتباه وتوسيع النظر لتجربة جمالية وافت أطرها الحد المرجو من الاكتمال. فهو مبحث جمالي عصامي لم يجتر فناننا، أو يجتزء تجربة من سبقوه ولا أعاد صياغة مفرزها الفكري إن وجد وإنما أبحر في عوالم الاستكشاف والتجريب بدون الخوف من مثل هذه مغامرات في اكتشاف انماط جديدة من الفكر التشكيلي الواعي بقيم الانتماء.  وتذكر المغامرة هنا لان الغالب الراسخ في الفكر التشكيلي الراهن وأساقفة النقد واساطينه، ان مثل هذا النهج قد لا يجد السند الروحي لا من أقرانه ولا منهم،  لصعوبه تفريغ معانيه وفلسفته الجمالية في تلك القوالب الغربية الجاهزة . فمعتصم حسين في رصده للحياة السودانية رسم الواقع في صيغ تعبيرية واقعية ورمزية. وكل ما يمكن لنقاد هذا العصر فرحا أن يقيموا ويشرحوا بها جسد اللوحة العربية، فبذلك فان فنان وبالقصد ولهث خلف هذه الاندياحات الغربية والغريبة في أن واحد، إن تأتي بإنتاج فنان غربي توفرت له كل مناخات الحرية وبلا قيد اجتماعي وبحرية تامة تتجاوز الحد الأعلى لاحتياج فننا هنا. ويلصق هذا الانفتاح بهذا الغلق المحكم لفكر وحرية الفنان، تمثلا وتشبيها دلالة على ضيق أفق المنهج النقدي المتوارث، فهذا انطباعي وذاك سريالي لكن المحك الرئيسي في تثبيت مثل هذا المنهاج النقدي الضعيف، والذي فشل تماما في تخليف ارث ولغة أدبية تشكيلة. رغما عن عيشه (الفنان معتصم حسين) سنينا طويلة ولفترات متباعدة بالولايات المتحدة   فما زاده ذلك إلا منطقية إضافية تجاه منهجه وفكره الحصيف.  

إذن ففنانا هنا لم يكتفي بصياغة واقعه جماليا، وإنما بأساليب بذات تلك التي تدعى أصالة إبداعها وأحقية إتباع ريادتها، لكن هذا الأساليب العبثية والتي غيبت عن سماء فكرنا مبحث عملي كالذي يفرزه معتصم حسين وكثيرون غيره من الفنانين المجدين في انتماءهم . رسم فنانا المبدع تفاصيل الحياة السودانية بكل قيمها الإنسانية، لايمكن إن تخلو لوحة من إعماله إلا وإنسان السودان حاضرا في بيئة لونية خصبة يذكي بها خلفياته ويحي بها أهمية إنسانية الفرد، ومن ثم يدخله في تصميم تركيبي مترابط  فتقرأ فيما تقرأ جماليا أغاني بيوت القرية، والعرس السوداني، ومجموعة متناسقة من المنجز الصوفي بكل جمالياته الروحية وإنسانيه الدرويش المرآة العاكسة لنقاء الشخصية السودانية. رسم معتصم حسين تاريخ الحضارة الإنسانية، فرسم الملك سليمان مع هدهده وحاشيته من الإنس والجن، في تركيب فني يضاهي حتى الخيال لجودة انتقاء الفكرة

والتصميم . ورسم ملوك وملكات الحضارات السودانية القديمة،  ورصد اجتماع الشخصية السودانية المجبولة بالبساطة وحب الانتماء للجماعة. فتجدها تتجسد هذه الشخوص في جماعات، وهي تغنى وهي تشاهد سباقا للإبل، وهي تهاجر وترتحل من مكان لآخر.   رسم معتصم حسين، العمق الروحي للنيل الخالد في نفسية كل سوداني، رسم تبدل انتقال المدنية في عمقنا الإنساني محتفظا بديمومة الذاكرة تجاه البيوت القديمة وبواباتها العتيقة، جرد في لوحاته المفردة السودانية والبسها صفة الواقعية، جعل من التجريد نفسه أن يحكي قصة مفردة لا تنفض عن سياقها وبيئتها بمجرد طمس معالمها الفيزيائية.  ورغما عن انه يملك رصيدا من العمل التركيبي الذي اعتمد في أسلوبيته على التجريد. إلا إن هذه القفزات ورغما ما سببته لنا كمتابعين من تشويش لهذه الصيرورة المتماسكة ، إلا أن روح الفنان وأسلوبه وألوانه تفرض علينا سطوة فعل وخطوات مدروسه، يصبغ عليها طابعه المجود لكل أطره الفكرية، والتي جعلت من مدرسته هذه فرادة بدأت ملامح مثيلاتها تتبدل حسب حاجة السوق لهذه الإعمال المنتمية.

 نستشف من هذه التجربة الفنية القيم الإنسانية والتي يمكن أن تشكل دراستها مبحثا جديا أن معتصم حسين اثبت أن الأفكار المنتمية هي الأساس الذي ينبغي إن يبني عليه الفنان خطاه،  ليس في ضيق لباس الانتماء ومعناه التعريفي،  وإنما لروح وذات الفنان. على عكس ما يحدث الآن من إتباع أعمى للأسلوبية الغربية،  وان مواقعة الفنان لذاته بحجة الواقع الذي ينتمي إليه وتبدلاته الاجتماعية هي التي تصنع تفرد نتاجه الفكري والجمالي. لذلك ففناننا في مبحثه المجد لم يسعى للواجهة الإعلامية وفق نقيض مدعي الفن وأنصاف الفنانين لم نسمع له صوتا سوى صوت فرشاته يدمغ في مخيلتنا كل هذا الجمال الفطري.  ونستشف أيضا انه بالبحث ومرحلية الفكرة وتطويرها، يمكن أن تقرأ سيرة الفنان الذي يؤرخ له ولجيله ويقرأ ارتباط الأجيال السابقة واللاحقة له، بلا قفزات غوغائية تلبس كل ضربات فرشات وأزميل وفي مناطق رمادية مسمى وصفة   الفن اعتماداً على متعة لحظية،  لذلك اندثرت كثير من الأساليب ولم تخلف أثرا بعد عين.  ونرى أن انتماء الفنان لبيئته المحلية هو سبيله بعد امتلاك أدواته الفكرية والمعرفية للعالمية والتي أصبحت عقدة كل فنان عربي.

 

حبذا لو نمعن النظر في تجربة الفنان السوداني معتصم حسين وأمثاله من الفنانين الباحثين بوعي عن دواخل ذواتهم المبدعة. وحبذا لو تتنبه أجهزة إعلام للتطبيل والمحسوبيات والرخص التي جعلت من ثقافتنا عرضا للاختراق، فبما يقدمه معتصم حسين وأمثاله فإننا نضمن، لواقع هذه الأمة ومستقبلها، صفاء وعودة ذاتنا الإنسانية لنسقها وفعلها الحضاري، الذي بتر جزء تاريخي كبير منه فانقطعت بنا سبل الابتكار والتجديد. هذه محاولة تحليلية لهذا الإنتاج الجمالي الضخم، قد يغلب عليها الإعجاب الشخصي، إلا إنها تتلبس الجدية في طرق سبيل النقد الهادف. ليس تلميعا وصرف وجاهات مجانية وإنما أحقية اكتسبها فناننا بكل عنفوان الاستحقاق الذاتي هدفا للتوثيق بعيدا عن محسوبيات الغرض الشخصي.

 

 

 

 

 

 

 

*عبد الحليم الخير محمد الحسن، فنان تشكيلي تخرج من قسم التلوين بكلية الفنون الجميلة والتطبيقية بالخرطوم في 1996 . له كتابات متعددة في مجال التشكيل في السودان. يقيم بالأمارات العربية المتحدة.

 

 


لا يحق لأي جهة إعادة نشر المادة الموجودة على هذا الموقع إلا بإذن

تم النشر بإذن من الكاتب