|
ثقافة الصورة.. وثقافة اللغة في السودان
بيان الحديقة، مساهمة لتقويم اختلال الميزان
علاء الدين الجزولي
لا يخفى على كل متأمل لخارطة الثقافة السودانية الحديثة ، سطوة ثقافة (اللغة) فى حياتنا ومحدودية ثقافة (الصورة) .
فى هذه الخارطة التى تشكلت بهذه الكيفية وعلى مدى قرون وعقب فترات إنقطاع السودانيين عن حضارة ثقافاتهم المادية . كما نجد – وللأسف – ومع ظهور بوادر الوعى بهذا الانقطاع المتوالى الذى أسفر عنه فقر مدقع فى ثقافة (الصورة) فى حياتنا المعاصرة ، نجد بدلا من العمل على تلافى ذلك مزيدا من تكريس الانقطاع ، وهذا برغم شواهد التاريخ القديم مما خلف لنا الأسلاف الأوائل من معطيات فنون الفخار والنحت والجداريات، التى تشهد بقدرة السودانى على الخلق والابداع، بل تشهد بعظمة ما صنع من صور الفن، ومن روائع فنية .
أيضا، برغم شواهد النبوغ التشكيلى (الحديث) الذى أورثت الأسلاف جيناتة لأخلافهم (من كل الأعمار) الذين يمثلون تميزوحيوية الحركة التشكيلية السودانية المعاصرة، بما ينتجون من روائع فنية وبما أحرزوا وما يحرزون من جوائز على مختلف المستويات الاقليمية والعالمية بدءا من جوائز الأطفال، فى شانكار الهندية، و كاناقوا اليابانية، الى جوائز الكبار فى بياناليات وأنشطة الفن التشكيلى العالمى، كبراتسلافا ونوما والشارقة والقاهرة .. الخ .
على ضوء ما ذكرنا، حري بنا أن نلفت انتباهكم الى أهمية الطرح (الجديد) الذى يقدمه بيان الحديقة التشكيلية، وتجاوزا لما سبق من اطروحات نظرية وبيانات تشكيلية شهدتها الحياة الثقافية السودانية، كالافادات المتفرقة لجماعة مدرسة الخرطوم (عثمان وقيع الله، ابراهيم الصلحى، أحمد شبرين) التى من المعروف أنها لم تصغ بيانا نظريا وأسوة بغيرها من جماعات أخرى، كالبيان الكرستالى الذى صاغه (محمد شداد) وبيان مدرسة الواحد الذى صاغه (أحمد عبدالعال) وبيان مدرسة الواحد 2 الذى صاغه (ابراهيم العوام).
وعلى جانب آخر من خارطتنا الثقافية وفي زمان آخر - قبل وبعد صدور البيانات الآنفة الذكر - لقد ظل نفر مستنير من طلائع المثقفين السودانيين فى بلادنا، ومنذ أكثر من نصف قرن، لقد ظلوا يدعون ويعملون جاهدين لتلافى هذا الانقطاع، ولسد تلك الفجوة العميقة التى صارت تعانى منها بنيتنا المعرفية، نفر كرام أمثال (علي عثمان علي) الرائد الحقيقى للحركة التشكيلية السودانية الحديثة ودكتور (أحمد الطيب) الرائد الحقيقى للحركة المسرحية السودانية الحديثة (فى نظرى) وصاحب كتاب ((أصوات وحناجر)) والأساتذة الكرام (عبدالقادر تلودى) و(عثمان أبو القاسم) و(جمال مبارك) و(شفيق شوقى) و(عبدالله محي الدين الجنيد) و(ادريس البنا) و(ابراهيم الصلحى) و(أحمد تاج السر) .. وغيرهم ممن عاصروا البدايات الأولى للتعليم الحديث بمدرسة مبروكة ببخت الرضا، قاعدة الهرم الأكاديمى (القرينلوى) الذى شيده الفنان التشكيلى الانجليزى الفرنسى (جان بيير قرينل) (Jan Peer Greenlow ) صاحب كتابى ((سواكن)) و((سبل كسب العيش فى السودان)) الشهيرين، وذلكم الهرم التعليمي الذى شيده لدراسة الفنون فى السودان فى النصف الأول من القرن الماضى، الذى بلغ قمته فى كلية الفنون الجميله بالمقرن - وفي تطور لاحق - عقب انشاء مدرسة التصميم (School of design ) بكلية غردون التذكارية.
لقد ظل هؤلاء النفر (المستنيرون) يتحدثون عن فقرنا الجمالى البصرى وعن (الجوع الفنى!) الذى نعانى منه فى السودان، وعن الحاجة الماسة لاقامة بنيات تحتية للثقافة البصرية التشكيلية فى بلادنا (متاحف، صالات عرض، مسارح للجميع، مسارح عرائس للأطفال، دور انتاج وعرض سينمائي.... الخ) بل نادوا بذلك حتى بحت أصواتهم، ولكن... ليس من مستجيب ! أو كما قال الشاعر:
((لقد أسمعت لـو ناديت حيــا ولكن لا حياة لمن تنادى
ولو نارا نفخت بها أضاءت ولكنك تـنفـخ فـى رمـاد))
والى أن غادرنا بعضهم الى دار الأبدية مع الخالدين، وبقي صدى النداء يتردد متعثراً وكأنه منفوخ في قربة مثقوبة.
وتوالت أجيال من بعد أجيال، ورثت - جميعاً - ذات الهم، وذات الحلم، وذات النفخ ، لكن الخارطة الثقافية السودانية لا تزال تحت إسار (اللغة) وحدها، بل حتى (اللغة) فقدت فنها، كما فقد الشعر جنونه، ومثلما فقد الريف السوداني سينماه المتجولة، ومثلما فقد مسرحنا اليتيم حريته وجمهوره، وخير دليل على ذلك أن بالسودان الآن حوالي سبع أو ثمان قنوات فضائية تليفزيونية (السودان / الخرطوم / النيل الازرق / الشروق / هارمونى / ساهور/ زول) تبث موادها وفى ((عصر الصورة هذا)) خطابة وبلاغة وشعرا وغناءا ودوبيتا وحوارا وثرثرة وطق حنك سااااى، مصحوبة – في الغالب - بصور ساكنة، فاقدة لـ: (مفهوم الصورة)، لروح الابداع الفوتوغرافى، صور بائسة أو ميتة انقضى زمنها (يعنى آوت أوف ديت!) ويرى البعض - تعليلا لهذه الظاهرة الاذاعية - أن معظم الكادر الفنى الذى يعمل بهذه القنوات قد خرج من معطف الاذاعة السودانية أو تتلمذ على أيادى اذاعيين (أمثال : خاطر وشمو وصالحين وعلم الدين وفضل والفاضل) ولكنى أرى أننا جميعا وليس الكادر التليفزيونى وحده، ما نزال قابعين داخل (عباية!) ثقافة اللغة وهيمنتها التى ازدادت وتيرتها فى الآونة الأخيرة (بفضل !) فلسفة بروباقاندا نظام الانقاذ ودعاتها من جحافل خريجى معهد ام درمان العلمى وجامعة ام درمان الاسلامية الذين تعج بهم اجهزة الاعلام المرئى السودانى. ولاغرو في ذلك فهم أهل لغة وحسب، بل يخامرنا بالغ الشك في أنهم - من قبيل الاهتمام المفترض بثقافة الصورة - قد اطلعوا (مثلاً) على روائع الآثار المادية للحضارة الاسلامية، وعلى طرزها المعمارية العديدة، على مقرنصاتها النحتية وعلى خزفها وفسيفسائها ... و.... و....الخ. أم ياترى هم يختزلون الانجازات العظيمة لهذه الحضارة في الخطوط العربية الاسلامية وحدها وهم مكتفون بذلك، لمجرد ارتباطها العضوي باللغة؟! نعم انهم مكتفون، وكذلك واهمون.
هل ياترى تذوقوا جمال مسجد قرطبه بحدائقة ووروده وأزاهيره ونوافيره وجداوله الرقراقة التي تعبق بجمال الفن الاسلامي المتكامل المتنوع، منذ أكثر من خمسة قرون، ولم ياترى لم يخطر ببال أولي الأمر منهم (أعني أولي الأمر في السودان) أن يشيدوا مثلها وعلى الأقل لاصلاح جامع الخرطوم العتيق والذي وكما تعلمون تحيط به بركة مياه آسنة وبصورة دوريه ولعدة سنوات خلال فترة حكم الانقاذ، مع حال كهذا أليس من حقنا أن نقول: لا، أن نصرخ ((واصورتاه !!))، أن نستنكر مثل هذه الصور المسيئة لنا، ولدور العبادة في بلادنا، وأن نستغيث بأعلى صوتنا ((وااامسجدااه))، بل من حقنا أن نقول أيضاً: ((وااااااسلاماااااااه !!)) حين لاتجد الأستغاثة من يستجيب لها.
هل ياترى عيونهم لاترى ذلك؟! هل ياترى عرفت عيونهم روعة التصميم المعماري لمسجد السلطان حسن (بالقاهرة)؟، هل ياترى كان ضمن أي من جداول زيارات أي منهم لمصر؟! وهل لديهم مثل هذا الاهتمام؟ أشك في ذلك. ولوكان ذلك كذلك فلم لايبصرون ما نحن فيه؟! لم لايبصرون مدى القبح الذي آلت اليه (صورتنا) بين العالمين!! (صورتنا) كمسلمين قبل أن نكون سودانيين، أفلايبصرون؟ لعلهم لا يبصرون، ولوكانوا كذلك فلم يولي علينا العميان؟!
لذلك فان اشكالية الفقر الجمالى البصرى أو (هذا العمي المعرفي البصري) و(الجوع الفنى!) و(الفجوة العميقة) التى تشكلها (ثقافة الصورة) فى بلادنا، وفي حياتنا الراهنة، وما آل اليه الحال – مؤخرا- من فوضى تشكيلية - عمت السودان كله، ومن تفشى لخطر ما أسميناه بــ (فيروس القبح) وفى هذا الزمان السودانى الحضارى الانقاذي، العجيب!!، الذى شهدنا فيه (صوانى) رامبو! ونصب الكرور فى ميادين العاصمة! وأشباح النخيل البلاستيكى فى مقرنها! وما تسمى بأبراج الألومنيوم فى جوف طقسها الحار و...و... الى التغول على المبانى التاريخية والأثرية الجميلة وهدمها بدعوى كاذبة - من سماسرة المقاولات الانشائية الرسميين والأهليين - انها لعمري دعوى يفترونها لتجميل المدينة.
لذلك فأننا نرى أن حل هذه الاشكالية - وكما قال من قبل أستاذنا الفنان التشكيلي، المرحوم بروفيسور مجذوب رباح واستاذنا الكاتب عبدالقادر محمد ابراهيم صاحب مقال: ((الحصة، قصة)) – يبدأ من اعادة الاعتبار لحصتى القصة والفنون ووضعهما من جديد فى جدول حصص تلاميذ المدرسة الابتدائية. وفيما نرى فيه الآن غيابهما المخل من مقررات ومناهج التعليم، وفيما نرى فيه أيضا وتأكيدا للأهمية القصوى لهذه المواد فى التربية والتعليم، ما هو أشبه بالمنع من حليب الأم بالنسبة للأطفال وحسب وصفنا لايقاف حصة الفنون فى المدارس السودانية وفى كتابات سابقة وتشبهينا لأولى الأمور من مسئولى ومخططي فلسفة التربية والتعليم الرسميين فى السودان الحالي، بـ ((الأم المطموسة التى تحرم أطفالها من الحليب)) فمن هذا الحرمان! ومن تلك الفجوة العميقة! وذلك ((الجوع الفنى!)) نشأت الحاجة للورشة المستمرة التى يدعو لها وكنوع من (الاختراع) ((بيان الحديقة التشكيلية))، ولذلك قامت بذرتها الجنينية،((ورشة حديقة الفنون للأطفال بأم درمان)) وذلك (رغم أنف الفقر!) الذى تعانى منه كل ذهنية، جهولة متخلفة، دعية متسلطة، فى بلادنا. لا ترعي - حاليا - لا بالا ولا ذمة لثقافة الطفل في بلادنا التي أرسي دعائمها من قبل مثقفون كرام أمثال (جمال محمداحمد) و(عبدالله الطيب) و(أحمد الطيب) و(يوسف بدري) و(بشير محمد سعيد) و(ضرار صالح ضرار) و(محمد عبدالحي) وغيرهم ممن ثبت لنا بعد نظرهم وحسن صنيعهم.
ومما يجدر ذكره هنا، أن قرابة ستون طفلا ومن معهم من مشرفين شاركوا فى المرحلة الثالثة والأخيرة - حتى الآن - لهذه الورشة قد ودعوا بعضهم البعض بالبكاء والدموع عند ختام دورتها، بل عبر بعضهم عن عدم رغبته فى الرجوع الى المدرسة! وعن أمانيهم فى استمرار هذه الورشة ومواصلة نشاطها. وقد مثل هذا – بالنسبة لنا – اثباتا على عدم سلامة نظامنا المدرسي الحالي، وخير مقياس وبرهان على سلامة أطروحتنا النظرية، والحلول التي اخترعناها، وطرحناها على أرض الواقع السوداني الراهن والمتمثلة في فكرة (الورشة المستمرة) التي أثبتت نجاحا كبيرا في تجربة العمل مع الأطفال وانطوت على كثير من الاشارات الموحية، كما جاءت وبالدليل العملى الموثق تطبيقا أمثلا للأفكار الواردة فى بيان الحديقة التشكيلية ، بدءا من استمرارها لمدى زمنى طويل والى تحقيقها لعدد من الفعاليات والنشاطات المتنوعة التى جرت فى جو سادته روح الاحترام لشخصية الطفل، وروح العمل الجماعى، وتبادل الخبرات والأفكار الهادفة لتنمية الخاصية الابداعية لدى الطفل، ولتنمية الحساسية الجمالية، ورح التجريب والاكتشاف والاختراع، مع الحرص على الخصوصية الفردية والميول الفطرية لدى كل طفل.
كنا ومازلنا آملين من كل ذلك اعداد فنانين يتمثلون بقيم وأفكار الحديقة التشكيلية التى تعلى من شأن ثقافة (الصورة) وتضعها جنبا الى جنب مع ثقافة (اللغة)، أى فى الكفة الثانية لميزان الثقافة المختل فى بلادنا. وأملنا فى ذلك، ظهور فنانون مستقبليون حقيقيون وهذا في حد ذاته هدف أساسي، يليه: أن تتوافر للأطفال ومن وقت باكر، جاهزية القدرة على محاربة الأمية البصرية التشكيلية. ومكافحة خطر فيروس القبح المتفشى فى بلادنا، متي، وأين ما كان.
لهذا فأننا نعتبر أن قصتنا مع التشكيل في السودان، هى قصتكم، وهى قصتنا جميعاً، التى لم تكتمل بعد، طالما فضاءاتنا - ما انفك - يخيم على ربوعها ذلك الخطر، ونعتبر كذلك، أن مشروعنا ليس لنا وحدنا، بل يهم الجميع، وللآن والمستقبل ((ورغم أنف الفقر!)) الذى تدعية مؤسساتنا الثقافية الرسمية فى السودان، وتعلق على شماعته عجزها المخجل. ورغم ذلك مازلنا يحدونا أمل واثق، في سودان جديد، سودان جميل خالي من كل أشكال القبح الثقافي، الاجتماعي السياسي، و مستقبل زادنا وموردنا - الاستراتيجي - الذي يكفي له هو: هو ذكاء الطفل السوداني، قدراته الهائله، وتفوقه المشهود في المحافل الاقليمية والدولية، لو أحسنا ادارته.
علاءالدين الجزولي
القاهرة /8 فبراير 2009 |