| |
مات
جحا.. رائد الفن التشكيلي الشعبي
الفاتح يوسف جبرا
|
| |
 |
| |
صورة لجحا في بيته في عام 2006، تصوير ابو مؤمن
|
|
|
| |
بيانات شخصية كما
جاءت
فى معجم (الشخصيات السودانية المعاصرة)- بيت الثقافة- الطبعة الأولى
1988م: |
| |
موسى قسم السيد عبدالكريم كزام الشهير بـ(جحا)
ولد
فى أم درمان
عام
1931م.
التعليم : لم ينتظم فى أى دراسة منتظمة حيث علم نفسه بنفسه أشياء
كثيرة من بينها القراءة والكتابة.
العمل: تدرب على الرسم والتصوير الفوتوغرافى
والاعتناء بشتلات الزينة والزهور والألعاب السحرية.
الشهرة: جاءت شهرته من تخصصه
فى
رسم وجوه الشخصيات وهو العمل الريئسى الذى يرتزق منه وهو صاحب الرسم المشهور
الذى
يمثل الإمام المهدى مقتبساً إياه من ملامح أولاده وأحفاده، كذلك اشتهر برسم
وجوه
الفتيات على صناديق الحلوى ورسم الإعلانات الفنية والتجارية.
الحالة
الاجتماعية: متزوج (1969م) وله ست بنات وولد.
الهوايات: التصوير الفوتوغرافى
-
إنبات شجيرات الزينة والزهور- الألعاب السحرية.
العنوان: منزل رقم 161
- الحارة
العاشرة - أم درمان الجديدة- ص. ب 9047 الخرطوم. |
| |
آآه
يا أم درمان..
تتساقط
اشجارك العتيقة واحدة تلو أخرى.. يوما بعد يوم يطوي الموت ملامح شخوصك
العظيمة فلا تبقى إلا الذكرى.. من من سكان أم درمان لا يعرفه؟ عندما كنا
أطفالاً
صغارا كنا لا نراه إلا وهو (يركب) العجلة السوداء (الرالي) بطاقيته ولبسته
(العلى
الله) الأنصارية البيضاء، فيشير (الناس) إليه فى انبهار: داك جحا الرسام..
كانت
رسومه بقلم الفحم أو (الرصاص) والتى تمثل (بورتريه) لمعظم رموز الحركة
الوطنية
آنذاك.. الإمام المهدي.. السيد عبدالرحمن.. السيد علي الميرغني.. مبارك زروق
والشخصيات الدينية ورجال الأعمال والفنانين والمطربين.. كانت تلك الوجوه وهى
قد
رسمت بعناية
تشير إلى موهبة عظيمة فى فن الرسم تكاد تنطق، بل إن معظم الذين كانوا
يشاهدونها يعتقدون أنها (صور فوتوغرافية) لولا ذلك التوقيع الذى كان يذيلها
(جحا)..
والذى قام بكتابته
على باب منزله المتواضع، كما هو فى الصورة.
ولد
بحي السيد
المكي 1931م وعاش طفولته بهذا الحى الأمدرماني العريق ودرس الخلوة بود نوباوى.
وحينما شب عن الطوق بدأ فى ممارسة مهنة (النساجة) شأن معظم أفراد قبيلته
الأصيلة
(الجبلاب) فى ذلك
الحين، إلا أنه فى أوقات فراغه كان يمسك بقلم الرصاص أو (الكوبيا)
ليرسم كل ما تقع عليه عيناه. |
| |
 |
|
عثمان دقنه، رسم موسى كزام (جحا) |
|
نقطة تحول:
شأنه
شأن أطفال تلك الحقبة
من
الزمان فقد كان التردد على (جنينة الحيوانات) يعد واحداً من مباعث الفرح
والسرور
فى
النفس.. فى ذات يوم كان الطفل (موسى) داخل الحديقة يتجول فإذا به يجد نفسه
(وراء(سيدة
خواجية) تضع أمامها لوحة ترسم عليها مجموعة الأفيال والزراف والأشجار
التى
كانت أمامها.. انبهر الطفل (موسى) ووقف خلفها صامتا يتابع (القلم) وهو ينساب
على
الورقة.. عندما حانت من (الخواجية) التفاته خجل (الطفل) ومضى فى حال سبيله
يتفرج على (حيوانات الحديقة) لكنه وبعد لحظات قلائل وجد قدميه تسوقانه إلى
ذات
المكان خلف (الخواجية) وقف بحذر شديد وهو يراقبها وعندما حانت منها التفاته
ووجدته
ابتسمت له وأعطته ورقة وقلما وطلبت منه أن يرسم.. وقام (جحا) برسم ذات المنظر
الذى
قامت
برسمه (السيدة) بل أروع منه كثيرا فهالها ما رأت من دقة فى رسم (الأبعاد)
و(المنظور) و(الظلال) و(التناسب) وكل أساسيات ذلك الفن.. وكانت تلك شهادة
نبوغ
لموهبة فى فن الرسم بدأ (جحا) يصقلها بالتمارين اليومية باستخدام كافة المواد
التى
كانت
تتيسر له فى تلكم الأيام. ولم يلبث أن ذاع صيته كرسام محترف يقوم برسم
(البورتريه)
فقام برسم (وجوه) معظم إن لم يكن كل وجهاء المجتمع ورموزه فى تلك
الفترة.
رحلة إلى بلاد الهند:
أقنعه صديقه وهو فنان تشكيلى (هندى) يدعى
(مهندرا)
بالسفر معه إلى الهند للتمتع بجمال تلك البلاد الساحرة واكتساب بعض
الخبرات فى الفن التشكيلى، وإقامة معرض مشترك يضم أعمالهما معا. وبالفعل فقد
سافرا
إلى
تلك البلاد الساحرة وأقاما معرضا تشكيليا مشتركا وقد كان من المقرر أن تستمر
تلك
الرحلة الفنية لأشهر معدودات إلا أنها استمرت إلى نحو عامين قضاها جحا متجولا
فى
ربوع (القارة) الهندية متمتعا بجمال مناظرها الخلابة ومتعلماً لفنون الألعاب
السحرية التى برع فيها الهنود والتى أخذت بلبه فأتقنها تماما ثم عاد للسودان
من
جديد ليقوم
بمتابعة هوايته فى رسم (البورتريه) والتنقل بواسطة عجلته (الرالى) السوداء
بين أحياء وأسواق العاصمة المثلثة.
فى أستديو مصر:
قادته
موهبته وشهرته التى تجاوزت (الحدود) إلى مصر الشقيقة حيث تم التعاقد معه
للعمل
بأستديو مصر لرسم (إكليشيهات) الأفلام والتى هى عبارة عن رسم لأبطال (الفيلم)
يلصق
على
جدران ومداخل دور السينما والشوارع الرئيسية كدعاية للفيلم فقام جحا حينها
برسم
إكليشيهات معظم الأفلام المصرية القديمة التى أنتجها (أستديو مصر) فى تلكم
الحقبة
والتى تحتوى على (وجوه) أبطال السينما المصرية.. ليلى مراد، فريد الأطرش،
أسمهان،
فريد
شوقى وغيرهم من النجوم، وقد جنى من ذلك أموالاً غير قليلة بمقاييس ذلك الزمان
إلا
أن طيبته وكرمه الفياض ويده الممدودة دائما للإخوان والأصدقاء فى السراء
والضراء وحبه للرحلات وقناعته بأن (آخرها كوم تراب) جعله كل ذلك غير مبالٍ
بجمع
المال أو اكتنازه حيث قام بزيارة بلاد عديدة مثل بريطانيا وإثيوبيا ويوغندا
ومعظم
البلاد العربية.
العودة الأخيرة:
عاد
(جحا) من (مصر) ليرسم (الشخصيات)
من جديد.. نجوم الفن والسياسة والرياضة ورجال المال والأعمال وحتى
الأشخاص العاديين الذين كانت إحدى أمنياتهم أن تزين صالوناتهم صورة لهم من
رسم (جحا).
كان جحا يقضى معظم أوقاته فى تلك الحجرة من حجرات المنزل التى اتخذها كمرسم
له،
وعندما يحس بحاجة للترويح عن نفسه كان يضع (كرسيه) الخشبى أمام منزله يتفرج
على (المارة) يرد على تحيتهم بأحسن منها ثم يعود لمرسمه من جديد.
مرت
السنين..
أرهق العمل
الدؤوب أنامل الفنان وهو لم يفتأ يرسم.. تطورت تكنولوجيا التصوير وما
عاد
ذلك الفنان التشكيلى الشعبى هو سيد الساحة الأوحد.. قل الإقبال على لوحات
(الفنان
العبقرى) وازدادت نفقات المعيشة.. إلا أن جحا ظل صامداً لا يقبل أن تمتد له
يد
أحد بالمساعدة مع أنه صديق لكل (الأغنياء) والمشاهير وأولهم الرئيس الأسبق
(جعفر
نميرى) مروراً بزعامات (الختمية) و(الأنصار) انتهاء بنجوم الرياضة والفن..
وكانت
الهدية الوحيده التى لا يردها هو أن تهدى إليه (إسبيراً) لعجلته التى كانت هى
مركبته الخاصة التى لم تفارقه يوما واحداً والتى امتطاها يوما إلى (ود مدنى)
لقضاء
واجب
عزاء بعد أن فاته (البص).
هدية.. هنادي.. هالة..هادية.. هبة.. هدى ثم
محمود.. ست بنات وولد واحد هم أبناء (جحا) احتضنهم فى أبوة دافئة وجو أسرى
معافىً..
علمهم عزة
النفس والزهد والعفة والبساطة وحب الخير والحق والجمال. رحم الله (جحا)
ذلك
الفنان العصامى العفيف والتشكيلى الشعبى الذى زينت رسوماته صوالين وجهاء
المجتمع ورموز السياسة والأدب والرياضة والفن والذى رحل عن دنيانا الفانية فى
ذات
يوم
رحيل صديقه الفنان بادي محمد الطيب.. ولم تنعه أى جهه رسمية أو شعبية، بل ولا
أى
كيان تشكيلي... ماذا أصاب هذه البلاد؟؟ ماذا أصابها؟!.
تم نشر المقال
العدد الاسبوعى
لصحيفة السودانى -العدد 461 - الجمعة 23 فبراير
2007م
نعيد
نشره هنا بموافقة الكاتب
|