Sudan Artists Gallery | home
About us Artists Collection Articles Art news Contacts Site map Links
Arti
Articles Arabic        

الراحلان: حامد "جو"  وبشير "حريشة" :

نسمتان من  وراء ما بعد الحداثة -2

النور حمد                      

 

كنت أرى في نمط سلوكه، تطفلا على عالم أولاد الأثرياء والميسورين. أو فيه، على الأقل، ظهور بمظهر غير حقيقي. غير أن الذي اتضح لي مؤخرا، أن حامدا كان مفطورا أصلا، على عدم الإيمان بالفوارق الطبقية. فهو لم يكن يدع لمن يريد أن يتميز بطبقته، فرصة للتميز بها. كان يتصرف بعفوية مدهشة، وبدون تعمل، أو عمد. كان كمن ألهمته السماء، أن الحياة مائدة كبيرة، لا يملك منها من يملك، سوى ما حازت أصابعه لحظة الأكل. كان لا يؤمن، حرفيا، بملكية العين، ويبدو أنه  ظل يرى، أن الناس يرتفقون بالأشياء، مجرد ارتفاق. وذلك حين يحتاجونها. وعلى العكس منه، كنت أسلِّم لمن عندهم، بما عندهم. ولا أجرؤ على إزعاجهم. وكان حامد، لا يسلم لأحد بما يملك، وبما يدعي لنفسه. كان في داخله شيء مسيطر، يخبره أن كل هذه محض أكاذيب، ومحض زيف. فالناس عنده، ناس، وإن طالت عمائمهم. حاصل الأمر أنني اشتريت من أصحاب الجاه، والأغنياء، والمسيطرين، فكرتهم عن أنفسهم، وسلمت لهم بما أرادوا لأنفسهم. أما حامد، فلم يشتر شيئا من ذلك أبدا. والحق أنني، لا أزال حتى اليوم، أحس بالحرج، كلما ارتدت محلا تجاريا كبيرا، أو فندقا فخما. شيء بداخلي يزْوَرْ، ويتضاءل، ويقول لي، لا يصح أن تكون هنا. وكان حامد على العكس من ذلك تماما.

 

في حلة حمد الترابي، وهي قرية تمثل في جملتها، أسرة ممتدة كبيرة، عرف حامد جو بعدم الاعتراف بالفواصل والحواجز، والملكيات. يبدأ رحلته من جنوب غربي حلة حمد، حيث يقع بيتهم، مرورا بالبيوت، بيتا بيتا. يسلم على الجميع، ويدخل المطابخ  في البيوت على اختلافها. يذهب إلى الآنية، يكشف أغطيتها، وينتشل قطعة لحم، من هنا، أو قطعة خضار، من هناك. كان يأخذ مما يجد، دون أي إحساس بالحرج. يفعل ذلك، متى ما عن له. وقد سلم له الناس بذلك تسليما تاما، بل واستملحوه منه. لم أعرف شخصا، تم قبوله، بلا تحفظ، من الجميع، في حلة حمد، مثل حامد جو. ولم أر شخصا لا يفرق بين الناس، كبيرهم، وصغيرهم، غنيهم، وفقيرهم، ذكرهم، وأنثاهم، مثل حامد جو. وفي الحقيقة، فإن علاقة حامد جو بالجنس الآخر ظلت محل تأمل بالنسبة لي، طيلة حياتي. مثلا: كنت أنا، ولا أزال، أهاب الجمال البشري، وأنكسر أمامه. بالنسبة لي، يظل الجمال محاطا دائما بدائرة طاردة. لا أقوى على أن أخطو إلى داخلها. وكان حامد على العكس من ذلك تماما. فالدائرة الطاردة بالنسبة لي، كانت في حقه، دائرة جاذبة، وبشدة. كان يقترب كثيرا، ولا يحترق. باختصار، كانت  لحامد قدرة غريبة على اقتحام، حواجز الاستبعاد، والإقصاء، بكل أشكالها وألوانها. يقوم بذلك، مدفوعا بإحساس فطري، لا تعمل، أو تعمد فيه. كان يؤمن عمليا، بأن له في كل شيء حق، وليس صدقة.

 

من ناحية أخرى، لم أعرف أخا عامل أخواته على قدم المساواة، في حلة حمد، مثل حامد جو. لا أقول كان "متقدما" في نظرته للمرأة، وإنما أقول كان "طبيعيا". إن أكثر ما يُدهش في حامد، بساطة مسلكه، وحدسه الغريزي، وقدرة قواه الباطنية في النفاذ إلى ما هو صواب. لا شيوخ القرية، ولا كهولها، ولا نساءها، ولا رجالها، ولا كل التقاليد الموروثة، على ضخامتها، كانت بقادرة على طمس بصيرة حامد، أو التشويش عليه، بأي شكل من الأشكال، في الخيارات التي يختارها. كان ملهما في معرفة ما هو صواب في بنية مشروع التغيير الكلي. وكان، في ذات الوقت، قادرا على فعل الصواب. كان مقاتلا صلبا، ولم يكن عنيفا. لقد أشرف حامد، على تربية أخواته اللواتي يصغرنه ـ إذ كان أخوه الأكبر، مقيما في الخرطوم ـ وقد أصر على تعليمهن كلهن. وثابر على ذلك، رغم المعوقات الكثيرة، حتى أكملن تعليمهن العام، وتسنمن وظائف مختلفة. أعطاهن من حرية الحركة، وحرية الفعل، ما لم تتمتع به غيرهن. وقد أثمرت جهوده معهن أطيب الثمار. كان حامد لأخواته، أبا، وأخا، وصديقا، وسندا. وكن يحببنه بغير حدود. ويقيني أنهن فجعن بموته المبكر، أشد الفجيعة. لقد كان حامد روحا حرا، متصلا على نحو ما، بقلب الوجود الحي النابض، وبجوهره الأصيل الذي لا يلحق به الزيف. لم يشتر حامد قط، أيا من حبائل الاستبعاد، وحواجز الإقصاء، التي يبنيها حول أنفسهم، أهل السلطة، وأهل الثروة، وأهل الجاه.  كانت له قدرة فطرية، لا تصدق على النفاذ إلى ما يجب أن تكون عليه الأمور. كان إنسانا جديدا بشكل لا يصدق.

 

ربطت بيني وبين حامد، بالإضافة إلى صلة القرابة، صلة روحية من نوع غريب. لم نكن نتفق في أي موضوع فكري، أو سياسي، يجري نقاشه بيننا. ولم يؤثر ذلك أبدا على الرباط الروحي الذي ربطنا. أصبحت أنا جمهوريا، أرى الأشياء بعين جمهورية، وظل هو حامد جو. لا هو بماركسي، ولا هو بوجودي، ولا هو بأي شيء، غير حامد جو. لم يكن يقرأ بإمعان، ولا يهتم بذلك. يقرأ نتفا من هنا، وهناك، ويكوِّن آراءه باستقلال تام عن أي مؤثر خارجي. ذكر عنه حسن موسى، قولته التي شاعت وسط أصدقائه، وهي أنه ـ أي حامد جو ـ: "ضد الدين، وضد ماركس، وضد مشروع الجزيرة ذاتو". كان خارجا على أي قالب. وأظنه من النوع الذي لم يكن يفهم أبدا، لم كانت هناك قوالب أصلا؟. كان يكتب الشعر "على كيفه" وكنت أقول له، مؤمنا تماما بما أقول وقتها، أن هذا ليس بشعر. فالشعر له ضوابط، وقواعد وأصول. وللأسف لم أعد الآن، أذكر شيئا مما كان يكتب. ولعلني لو قرأت شيئا مما كان يكتب، اليوم، لربما غيرت رأيي. لم يكن حامد يرسم. ولم أعرف عنه اهتماما خاصا بالرسم، منذ أن كنا أطفالا. ورغم ذلك، التحق حامد جو بكلية الفنون الجميلة. وأصبح واحدا من التشكيليين، ومدرسا للرسم، بل وموجها فنيا، في مادة التربية الفنية، بمحافظة الجزيرة، في نهاية الأمر.

 

حين التحقت بكلية الفنون، في مطلع السبعينات، كان هو مدرسا بالمدارس الابتدائية. وكان يزورني كثيرا، في الكلية. وعن طريقي، تعرف على أصدقائي، ومنهم، حسن موسى، ومحمود عمر، وآدم الصافي، وبدرالدين حامد، وخلف الله عبود، ودار السلام عبد الرحيم، وبديعة الحويرص، وآخرين لا يتسع المجال لذكرهم. أعجبه الجو الذي كنا نعيشه آنذاك في كلية الفنون. فقرر فجأة، الالتحاق بها. هكذا قرر حامد. أحس بأن ذلك المكان المسمى بكلية الفنون يناسبه. لقد كان يبني أموره على الحدس. فقلبه هو الذي يخبره. وحين يخبره قلبه بشيء، لا يلتفت إلى متحدث آخر. قلت له أن  فكرته في التقديم لكلية الفنون، فكرة جنونية، بل وسيريالية مثل سائر أموره الأخرى. فهو لم يكن يمارس الرسم أبدا، ولم أعرف له اهتماما به. غير أن حامدا أحب تلك المكان، وأحب أولئك القوم. أصر عل خياره، وعمل له. اقتنى حامد الألوان، والأدوات، وصار يعمل بجد، ويطلعني على أعماله. ولم أكن أصدق أنه جاد فيما انتوى. لقد كنت، وللأسف، أفكر في أمر التحاقه بكلية الفنون، بعقلية مؤسسية، استبعادية. وكان هو يفكر في الأمر بطريقته الخاصة، التي لم تعرف يوما الحواجز، والأطر، ولم تعترف، ولم تستسلم في أي وقت من الأوقات، لشروط الاستبعاد. وبالفعل، التحق حامد جو، بكلية الفنون، رغم أنفي، وأنف أي أبي بكر. كان فيه رفض فطري لفكرة الأندية المقفولة، والأراضي الحكر. كان في كل أموره، لا يخضع للقالب ولا للمنهج. وكنت آخذ عليه تجاهله لتجارب الغير، وإصراره على إعادة اختراع العجلة بنفسه. غير أن ما ظهر لي من شأنه مؤخرا، يدل على أنه كان شاعرا، على نحو ما، بأنه لا يملك فسحة كافية من الزمن، يبددها في التنقيب فيما فعل الآخرون. وقد ظهر بالفعل، أنه كان زائرا عابرا قصير الزيارة.

 

 

الصفحة التالية