|
التشكيلى أحمد البشير الماحى (ود السودان)
العالم من بوابة التشكيل، و التشكيل من بوابة العالم
صلاح حسن عبد الله
قبل عام من اليوم، وبتاريخ الخميس 14 / 8 / 2003 ، صعقنا بنبأ رحيل التشكيلى، الصدي، الحبيب، الحميم، الهميم أحمد البشير الماحى، بعد كثير من العطاء وقليل من الكلام إلا فى ما يفيد . من بين النائحات نعاه، فى ذلك المساء الحزين ، صوت ذو جرس مميز بـ ( أحمد يا ود السودان) . فكم هو عجيب أمر هذا الوطن الذى أذاق أبنائه كل سوءات الحياة , ولكن لازال هنالك فيه من ينعيه الناس بكونه ( إبن السودان).
السودان، هذا الوطن (الحار الجاف)1 والذى بعثر أبنائه فى مختلف أرجاء الأرض وتركهم عرضـة لمشاق التجوال والترحال، حتى غابت عنه ملامحه، لم يعد قطعة أرض أو سكن أو مأوى، بل وجدان عميق وحب أكثر عمق فى علاقات الناس ورباطاتهم وأحلامهم المشروعة وأشواقهم النبيلة .
أكثر من ثلاثة وثلاثين عاماً منذ أن إلتقينا أحمد البشير الماحى داخل كلية الفنون، لم تشبها شائبة من الدواخل الوضيئة التى حملها القلب الذى سكت فجأة ونحن فى غفلة من لهثنا خلف القوت، إذ تركناه يغيب عن أعيننا مع علمنا أنَّه كان يباشر العلاج، بعد أن إتفقنا مع بعض الأصحاب على (محاصرته) لإكمال العلاج، ولكن كل شىء مضى سريعاً وسط إيقاع الحياة الذى أصبح عاصفاً ومدوياً .
جلسنا سوياً، مع أحمد البشير، فى العام 1971 لإمتحان القدرات قبيل إلتحاقنا بكلية الفنون الجميلة والتطبيقية ضمن 300 ( ثلاثمائة) طالب، فكان أن حصل أحمد البشير على أعلى الدرجات. ولكن بعد دخوله الكلية كان هنالك حدث آخر، إذ إنتقل أحمد البشير من السنة الأولى إلى الثانية ومن الثانية إلى الثالثة. وعند إنتقاله من السنة الثالثة إلى السنة الرابعة حصل أحمد البشير على الرسوب فى ثلاث مواد وكان جزاءه إعادة العام الدراسى 73 / 1974، ضمن واحدة من الحملات التأديبية التى عادة ما تنظم كلية الفنون بين الحين والآخر. كنت واحداً من الطلاب الذين تعرضت لهم تلك الحملة الغاشمة، حيث حصلت على الرسوب فى مادتى الرسم (أعمال السنة والإمتحان). ولكن الذين كانوا يوزعون صكوك النجاح والفشل على الناس كانوا يدركون، وكنا ندرك، وكانوا هم أيضاً يدركون جيداً أنًّنا كنا ندرك أنَّ هذه النتيجة قد رصدت فقط بغرض تصفية الخلافات الفكرية والخصومات السياسية، رغماً عن صدورها عن لافتة المجلس الأكاديمى. فهل فات على المجلس الأكاديمى أنَّ ملكة الرسم لا يمكن أن تفنى على هذا النحو من العجل؟ إذا كان الأمر كذلك، فإنَّّ المجلس ( الأكاديمى) يكون فى هذه الحالة غير مؤهل لحمل الصفة الأكاديمية. وحتى إذا إفترضنا أنَّ التدهور قد أصاب هذه الملكة على هذا النحو الغير منطقى، فإنًّ المسئولية فى هذه الحالة تظل بداية ونهاية هى مسئولية المؤسسة التربوية التى يفترض فيها أنَّ مسئوليتها هى تطوير ملكات الناس لا تدميرها بعد وصولهم إليها وهم مؤهلون لمواصل الدراسة فيها . ولكن فعندما تفقد المؤسسة الأكاديمية قدسية أكاديميتها ولا تتفرغ إلا لتنظيم الحملات التأديبية ضد من يجاهرون بإبداء وجهة نظرهم عندها تطفح على السطح كل الرغبات التى لا علاقة لها بالتربية لتصفية الخلافات غير المؤسسية والخصومات الفكرية، والتى سعى أحمد البشير مع الآخرين من طلاب كلية الفنون لتأسيسها وتجذيرها، ودفع الثمن مقابل ذلك غالياً مع بقية زملائه الآخرين. كان ذلك هو الوجه الآخر لطاقة أخرى أكثر جمالاً وإنسانية وإيجابية من إمتحاناتهم المزعومة .
يومها كان بشرى الفاضل، والذى تعرفنا عليه عن طريق أحمد البشير، فأصبح صديقاً لطلاب كلية الفنون فى تلك الفترة، كان ينشد لأبناء جيله، ومن داخل منبر إتحاد طلاب كلية الفنون الجميلة :-
المارد . .
حين تسلقنا الشمس فأنزلنا
قاتلناه
ومزقنا فى عينيه وعيد الويل
لا يتحرك فيكم أحد . .
وتحركنا
لايتقدم فيكم أحد نحو الساحل . .
وتقدمنا
لا يعبر فيكم أحد . .
وعبرنا . .
رغم هياج الموج
وصرخات البحار الشامت فينا
رغم هدير اليم
. . هذا النوتى الضليل المتحجر
لن يعمى إلا العميان
ولن يخرس إلا الصم
أنظر . .
هذا أولنا يعبر فى صمت
حتى عيناه لها عينان
وفى شفتيه كلام لم يتولد بعد
الصمت لديه عنيد
والمنطق لا يتمشدق بالكلمات
ولا يتوارى
فى داخله حمم
وبراكين موَّارة
أنظر خلفك وامامك
هذا عاشرنا
قطعوا رجليه بموسى حقدهم
وتحدوه بأن يمشى
غسلوا سكينتهم بدماء مدينته
نَبَشُوا كل ديانات العالم
لم يجدوا نصاً تبريرياً لإدانته
أوغاداً كانوا
عشنا رغماً عنهم
لا نكرههم
لكن نكره فعلتهم
فرضوها فى أعيننا حجباً
فرفضناها
ما أقبح فعل الأمس
قتل . . تذبيح . . قتل . . دهس
لأن تذبح كل حمامات العالم
فثمة بيض غلاب ينتظر الفقس
وإذا كانت الذاكرة ما زالت تختزن، وطيلة كل هذا الزمان، أشعار بشرى الفاضل فأى مساحة ياترى تحتلها ذكرى ومساهمات أحمد البشير؟ لا شك أنَّها ستكون مساحة لانهائية تمتد ما إمتدت لا نهائية الخطاب التشكيلى لدينا .
فتلك هى سنوات السبيعنات، والتى ما نفد لأحمد البشير الماحى من صبر فيها، مع الآخرين، فى سبيل ملامسة كل تعقيدات وتشابكات واقع الحياة الإجتماعية فى علاقتها بالنشاط الثقافى الفكرى الآيديولوجى، فخبر دروب العمل السياسى من بوابتها الواسعة ، كنشاط ثقافى. كانت سنوات كثيراً ما تحادثنا مع أحمد البشير، ومع الآخرين، عنها كسنوات تحتاج إلى مجلدات للكتابة عنها. ونحن مازلنا على الوعد، لكتابة الفصل الأول من هذه المجلدات لرصدها وتنقيحها والكشف عن مختلف جوانبها، على طريق أحمد البشير وعلى طريق بقية رفاقه الغر اليساريين .
كانت سنوات تثاقفنا فيها وتعلمنا منها، وفيها، أمور كثيرة . . تعلمنا فيها موضوعية المعيار، وتعلمنا فيها أنَّ التطور الإجتماعى له من القوانين ما يحكمه، وبالتالى فإنَّ تغيير العالم لا يخضع لأمزجة الناس وأهوائهم. وتعلمنا فيها معنى الفرق بين عمل المهندس وبين عمل النحلة، وأنَّ الكائن البشرى، من بين كافة الكائنات، هو الكائن الوحيد القادر على تركيب الصور والأخيلة لإعادة صياغة شكل الحياة وترويض الطبيعة. كانت سنوات صارعنا فيها مكر الكهنة وأباطيلهم، وتعلمنا فيها الكثير جداً. تعلمنا فيها أنَّ العالم هو كل يمور بالجدل والحوار والصراع. التشكيل يقود إلى الفلسفة، والفلسفة تفضى إلى التاريخ، والتاريخ يطابق الإقتصاد، والإقتصاد يحى فى تلافيف الشعر وإلى آخر ماتتيحه علاقات الجدل اللانهائية. كانت سنوات تعلمنا فيها أنَّ العاقل هو من عقل قدر نفسه ومدى قدرته على الفعل وتعلمنا فيها أنَّ الشر لا يقابل بالدموع ولا بالإندهاش، و( إنَّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) . قادنا ذلك إلى جدل الحياة، وجدل مدرسة الخرطوم مع مدرسة الواقعية الإشتراكية وجدل حركة الحداثة مع تاريخ الإنقسنا، وجدل الخطاب التشكيلى مع الخطاب السياسى وجدل الحركة التشكيلية مع صناعات الإنسان الأول. صاغ حسن موسى كل ذلك فى عبارة وجيزة (لقد دخلنا العالم من بوابة التشكيل تماماً كما دخلنا التشكيل من بوابة العالم) 2. وعليه فلن يكون غريباً أن أخذنا نسمع بعض الحرفيين السياسيين وهم يعلنون عن ضجرهم من أنّ (التشكيليين قد أصبحوا يتكلمون فى السياسة) . وذلك هو شأن الحرفيين السياسيين، ولكن شأن التشكيليين هو انَّهم يتحدثون عن الحياة وهى فى تداخلاتها وإضاءاتها المتبادلة. فهل سيكون فى وسع الحرفيين السياسيين أن يتخلوا عن خرافتهم وأباطيلهم ليحدثونا عن جدل الأزمة الإقتصادية الراهنة الطاحنة فى علاقتها بإعلان العجز فى ميزانية حكومة السودان كما أعلنه السيد إبراهيم أحمد فى يوليو 1958 [1] ؟ . . ؟ . . ! . . ! .
على الأيام الصعبة، أيام مايو، عرف أحمد البشير الطريق إلى المختبئين من السياسيين المطلوبين لدى السلطة، وعرف الطريق الجاسر فى سبيل الوصول إليهم فى مخابئهم ومحاورتهم ومناقشتهم بالتفصيل حول كل شىء. كان مفتاحاً لأشياء كثيرة ومفيدة .
عن طريق أحمد البشير الماحى تعرفنا على عمر الدوش ومحجوب شريف وجماعة المسرح الجامعى، كما تعرفنا على كمال عووضة الذى إلتقيناه مرة واحدة فى منزل أحمد البشير. كان ينشد هو الآخر لأبناء جيله : -
لو عدت ياخرطوم لاجئاً إليك
تربكنى سذاجة السؤال فى عينيك
من أين أنت ؟
إبن النار والغابات والفوضى ؟
أم إبن جماجم الموتى ؟
أنا وسؤالك الأبدى يا خرطوم
سيظل طعم النار فى الخرطوم
حتى يعيش الناس فى الموت الصعب
صبراً وإصراراً على ليل التعب
كما تعرفنا عن طريق أحمد البشير الماحى على الأستاذ عبد الله على إبراهيم (الدكتور حالياً)، وهو داخل مخبئه حيث جلسنا معه، لأوقات كانت ثمينة جداً، يناقش فيها قضايا العمل الإبداعى بتفاصيل كثيرة، وحتى بحوثنا الأكاديمية كطلاب داخل الكلية، كانت موضوعاً للمناقشة معه، إلى أن صدرت ورقة (نحو حساسية شيوعية تجاه الإبداع والمبدعين) عن مكتب الكتاب والفنانين الشيوعيين فى 1976، والتى جاء فى مقدمتها (يلمس حتى متلقى جبهة الأدب والفن، العابر، أنَّهما يدخلان جولة متقدمة فى مواجهة كساد الردة . أبرز تلك المساعى ذلك النقاش المستنير الذى ثار فى حقل الفنون التشكيلية وفنون الأطفال . . . إلخ . . . إلخ) . لقد كانت ورقة (نحو حساسية) هى المساهمة الرئيسية للحزب الشيوعى السودانى على جبهة العمل الإبداعى. وشكلت منبراً قدم جملةً من الإضاءات على جبهة مازال هنالك الكثيرون ممن يتهيبون مجرد محاولة الخوض فيها. ثم صدر الجزء الثانى من ورقة (نحو حساسية) والذى جاء مكرساً لمناقشة ما ورد فى الجزء الأول، مناقشة مفتوحة، شاملة وكاملة لكل صغيرة وكبيرة وردت فى الورقة الأولى. وشارك فى الجزء الثانى عدد من المهتمين من خارج عضوية الحزب من التشكيليين وغير التشكيليين. ثم تركز دور أحمد البشير فى إعداد الجزء الثالث من ورقة (نحو حساسية) والذى تم تكريسه لمناقشة قضايا التشكيل، إلا أنَّ صدوره تزامن مع مغادرة عبدالله على إبراهيم لمخبئه ومن ثم مغادرته للعمل الحزبى.
ذلك الزمان كان هو زمان الخصب الباكر، وزمان الجسارة الفكرية والسياسية. إلتقى فيه، داخل كلية الفنون، جمع من طلاب الثانويات. إلتقوا وكأنَّما كانوا على موعد للإلتقاء فى ذلك الزمان والمكان الذى كان رحباً، حسن محمد موسى، النور محمد حمد، محمد حامد شداد، هاشم محمد صالح، محمود عمر، اسامة عبد الرحيم، الفاضل البشير، محمد على إبراهيم نوح، الباقر موسى، الأمين محمد عثمان، عبد الحليم كابو، عمرعبد القادر وإلى آخر القائمة ممن حملوا الكثير من الرؤى المتباينة جداً والتى تصارعت بشكل راقٍ على ساحة التشكيل وأثرتها بالتمام والكمال. لم يكن مصادفة أن نجد من بينهم من إمتلك سابق الخبرة والتجربة بالعمل الثقافى فى طلائع النخيل بمروى أو طلائع القندول بالقضارف. وجاء أحمد البشير مع هاشم محمد صالح ومحمد على إبراهيم من طلائع الهدهد بمدرسة حنتوب الثانوية. كم هائل من الزخم والبذخ الثقافى شهدته كلية الفنون فى ذلك التاريخ . فقد كان أؤلئك هم سلالة أبادماك ( تنظيم الكتاب والفنانين التقدميين) المجترح والذى لابد من رد الإعتبار إليه وإعادة القراءة فى تجربته بشكل موضوعى. فأبادماك قدم خطاباً مازال نافذاً حتى اليوم، وسيظل نافذاً حتى سنوات أخرى قادمة أيضاً.
يومها كان الصراع على ساحة العمل السياسى قد إتخذ شكلاً دموياً. ووسط سيل الدماء التى سفكت على الساحة السياسية إغتم الأمر على الكثيرين، ولكن أحمد البشير كان حصيفاً فى رؤاه، عميقاً فى تحليلاته وكان ممسكاً جيداً بناصية الأمر. وكان مركزاً يلتف حوله الناس الذين إمتلك هو حساً عالياً وعيناً فاحصة فى سبيل التعرف عليهم. وحتى الذين كنا لا نتفق معهم سياسياً كان أحمد البشير يملك القدرة على الدخول إلى عوالمهم والخروج منهم بأفضل ما لديهم .
شغل أحمد البشير منصب سكرتير الثقافة بإتحاد طلاب كلية الفنون عام 1971، ثم رئيساً للجنة التنفيذية عام 1972 ثمَّ عضواً بمجلس الإتحاد عام 1973 ثمَّ رئيساً للجنة التنفيذية للمرة الثانية فى نهاية نفس الدورة. كما تمَّ إختياره، لاحقاً، رئيساً للجنة التحضيرية لمهرجان الشباب والطلاب العالمى بكوبا فى 1978. ولما كان إسمه فى ذلك الزمان ضمن قائمة المحظورين والممنوعين من السفر، فقد سافر سراً إلى خارج السودان وراح يتجول بين مختلف دول العالم على مدى عام كامل فى سبيل إنجاح المهمة التى كلف بها. لم يكن فى وسعه أن يحدثنا، يومها (نحن أقرب الأصدقاء إليه) عن مهمته التى سيسافر من أجلها، فما علمنا ذلك إلا بعد رجوعه. ولاشك أنّ هنالك الكثير من مثل هذه المهام الكبيرة التى كان ينجزها ولم يكن بوسعه أن يحدثنا عنها وبقيت طى الكتمان. ولكنَّ تفاصيلها لا شك أنَّها بطرف اناس آخرين نأمل لهم ألا يتشبهوا بثوار حركة اللواء الأبيض فى 1924، والذين حفظوا فى صدورهم الكثير عن حركة 24 ورفضوا الإفصاح عنها حتى لحظة رحيلهم، لا لسبب إلا لأنَّ القرار لم يصدر إليهم من قيادتهم للإفصاح عنها. وإذا كان ذلك هو حال ثوار 1924 فما بال ثوار الألفية الثالثة، يحجبون التاريخ بكامله عن الناس ؟ . . ؟ ؟ .
رفض أحمد البشير كل ما عرض عليه من أشكال التعمية والحجب . فما تراجع لحظة فى دفع الثمن المقابل لذلك، فتعرض للإعتقال فى العام 1976 مع كل من هاشم محمد صالح والمرحوم حامد النجومى (من التشكيليين) . ثم تعرض للإعتقال مرة أخرى فى 15 /10 / 1980 حتى نهاية 1983 . وفى 1991 إضطر لمغادرة السودان سراً إلى أرتريا . ثم عاد بعد أربعة أشهر فى نفس العام ، ليواجه بيوت الأشباح وخطر الحبس والإعتقال لمدة ثلاثة أشهر مرة أخرى . فما تراجع لحظة عما كان يعتقد فى صحته .
كانت لديه وجهة نظر غريبة وعميقة حول إعدام الأستاذ عبدالخالق محجوب، إذ كان يعتقد أنَّ عبد الخالق محجوب لم يكن يضحى بحياته لحظة إعدامه، بل إنَّه كان فقط يمارس حياته بأفضل شكل ممكن فى تلك اللحظة ! . . ! . .
كان أحمد البشير جاسراً وقوياً. يستمد جسارته وصلابته من علمية منهجه وسعة إطلاعه ومداركه ومعرفته بالتاريخ وبتجارب مختلف شعوب العالم على نحو به كثير من التفاصيل، ويناقش ذلك بكثير من الوضوح قل أن يوجد . كان من أوائل من إنتقدوا إنقلاب باب كارمال منذ لحظة إعلانه بكابول. وأدان الغزو الغزو السوفيتى لأفغانستان من يومه الأول . كان ضد إحتلال أثيوبيا لأرتريا، وكان يناقش حول تعقيدات الدستور الأمريكى ويتحدث فى العلاقات السودانية المصرية، وعن دوهرنج وفيورباخ وكولون ويلسون وسارتر تماماً كما يتحدث عن التكوين القبلى وعن مشايخ الطرق الصوفية فى السودان بطلاقة . بإختصار كان، ومنذ وقت مبكر فى سنه، يملك القدرة على التحليل الشامل الكامل والحصيف فى مختلف مناحى المعرفة الإنسانية . كان سمحاً مع السمحين وشرساً ضد المعتوهين .
وفى زمن كان (يتكور فى فوهة بندقية ويزين وجهه بقبضة الزنازين) [2]، وخلف ضباب الرؤية السياسة كان ضباب العتمة والغم القاحل الأكثر ثقلاً يلقى بظلاله القاتمة على جبهة التشكيل بكل تعقيداتها وتشابكاتها وتداخلاتها. كان التشكيل يومها مهنة يلفها الغموض والكثير من الإرتياب، وتحوم الشكوك حول أصلها وجدواها، وكان العمل النظرى على جبهة التشكيل مهنة للكهنة والكجور والدجالين . فتجشم أحمد البشير مع بقية زملائه الآخرين من طلاب كلية الفنون مشقة الخوض فى متاهات عتمتها . ويوم أن كان المتهافتون يعتقدون أنَّ حل إشكاليات الحركة التشكيلية المزمنة لن يتم إلا بمسلسل طويل، رهيب، وغبى من المعارض، يومها كان أحمد البشير فى طليعة الباحثين عن أصل الأزمة فى أصل الأزمة الإجتماعية .
وفى سبيل تأسيسهم لمواقفهم الجمالية، كتب على طلاب كلية الفنون فى تلك الفترة البحث عن مدخل، ما، فى جدران الكهنوت السميك وتراكمات السنين وعتمة الرؤيا. بحثوا عن المدخل، وسموه فى تلك الفترة باسم (أزمة الحركة التشكيلية فى السودان) يدلى فيها كل بما يملك من المداخلات والإضاءات . يومها إنقلب السؤال من (لماذا لا نرسم ؟) إلى النقيض منه (لماذا نرسم ؟) و ( كيف نرسم ؟) و ( وماذا نرسم ؟). وهكذا فبدلاً عن السير فى الطريق ذى الإتجاه الآحادى طريق الأسئلة الغبية والحلول السهلة، بدلاً عن ذلك، أصبح كل شىء وفى أساسه موضعاً للتساؤل. وفى سبيل البحث عن الإجابات على الأسئلة المؤرقة تجذَّرت محاور المناقشة على ثلاث جبهات، مدرسة الخرطوم على الصعيد المحلى، ومدرسة الواقعية الإشتراكية فى شرق أوروبا ثم حركة الحداثة فى غرب اوروبا. فكان قدر طلاب كلية الفنون هو إعادة فتح كل الملفات حول قضايا العمل التشكيلى من الألف إلى الياء، بذهن مفتوح وبصيرة نقادة . بلا عسف وبلا أى قناعات مسبقة. شمل بساط البحث والتشريح كل توجهات الحركة التشكيلية بدءاً من العنوان الكبير والفضفاض (أزمة الفن التشكيلى) وصولاً إلى كل تفريعاتها وتفصيلاتها كقضايا التراث، الغموض، خلط الغايات الأدبية بالغايات التشكيلية، إشكالية التذوق، علاقة التشكيل بالآيديولوجى، كلية الفنون، مناهج التدريس، تأهيل الأساتذة، علم الجمال، الفلسفة، تاريخ الفنون . . إلخ . . إلخ، بعد أن سقطت كل الإعتبارات الشخصية والشخصيات الإعتبارية. وداخل كل ذلك قدم أحمد البشير مساهمات كانت كبيرة وأساسية فى رمح الخطاب التشكيلى (فى السبعينات)، والذى نخطىء كثيراً حينما نسميه بالخطاب السبعينى أو نقولبه داخل السبعينات. فقد كان خطاباً أكبر من أن تسعه فترة السبعينات. كان ومازال خطاباً مفتوحاً ومنفتحاً على كل إحتمالات الخطاب النقدى .
أصدر أحمد البشير الماحى مع حسن محمد موسى جريدة 1 + 1 = 2. وأسهم بقسط كبير ووافر فى تحرير جريدة المعرفة التى كان يصدرها مكتب الثقافة بإتحاد الطلاب. وهما جريدتا حائط صدرتا داخل كلية الفنون فى النصف الأول من السبعينات واهتمتا بشكل أساسى بصياغة لغة تداول تشكيلية، ما زالت الحركة التشكيلية تدين لهما بالكثير جداً فى فض الغموض والكهنوت حول الظاهرة التشكيلية والنزول بها من سماء الجن والشياطين إلى أرض الناس وفى تناولها كنشاط بشرى قابل للتطور وللتناول العقلانى بلا عقد وبلا إبتذال .
كانت جريدة 1 + 1 = 2 هى الفاتحة لطريق طويل إمتد فى ما بعد بحسن موسى حتى وصل به إلى (جهنم) المجتمع الرأسمالى، ووصل بنا وبأحمد البشير إلى (جهنم) السودان الحارقة واللافحة. فى رسالته إلينا نعاه حسن موسى (عند سماع مثل هذا النبأ من الصعب الشروع الفورى فى الرد، طالما ظلت صورة أحمد البشير لا تبارح ذهنى وترجع بى، وعلى نحو مستمر إلى تلك اللحظات التى عبرناها سوياً فى السبعينات. فنحن نعرف انَّ أحمد البشير قد منح حياته لمساعدة الآخرين، وذلك هو ما يجعله بطلاً صامتاً فى تاريخ النضال من أجل الحداثة فى ذلك البلد الدامى الحزين والذى إفتقدناه بمترادفات مختلفة لمعنى الكلمة). ونعاه رفيق دراسته عوض ساتى، على طريقة الخليفة عبدالله التعايشى ود تور شين عندما ينقل إليه نبأ إستشهاد أحد قادته (آخ . . التبلدية وقعت). وبالفعل فقد كان أحمد البشير هو أحد تبلديات الحركة التشكيلية. تبلدية كبيرة، راسخة فى الأرض وممتلئة فى جوفها بالكثير من الخيرات. لم يكن كهدهد سليمان الذى هم صاحبه أن يقذف به إلى قوم لا يعرفون قيمته. فهنالك كثيرون مبعثرون فى مختلف أرجاء الأرض عرفوا قيمة أحمد البشير وتناقلوا نعيه بالبريد الإليكترونى وبالهاتف من المملكة العربية السعودية إلى الولايات المتحدة، إلى المملكة المتحدة، إلى استراليا، إلى الخليج وإلى كوبا. كلهم نعوا التبلدية الراسخة كشجرة الجميز فى منزل الراوى فى موسم الهجرة إلى الشمال (جزعها ثابت وفرعها فى السماء). فقد كان أحمد البشير جذراً راسخاً فى تربة الواقع المادى التاريخى وأفقاً واسعاً فى سماء الأحلام الإنسانية الكبيرة .
عرف المعنى المتقدم للديمقراطية فى مفهومها كممارسة يومية، ليس ديمقراطية الإنتخاب وحق التصويت والتى إبتذلت كثيراً حتى أفرغت من معناها ومن محتواها، ولكن الديمقراطية كممارسة قاعدية. تحضرنى هنا واقعة على أيام الدراسة فى كلية الفنون. إذ تمَّ تكليفه يوماً ما، أن يكون متحدثاً رئيسياً فى ندوة أقامتها الجبهة الديمقراطية بالمعهد الفنى. وكان من تم تكليفه بتقديم الندوة يعلن قبيل بدايتها وعلى مكبر الصوت (تقيم الجبهة الديمقراطية ندوة يتحدث فيها بعض قادة الجبهة الديمقرطية). ولكن ذلك لم يرض أحمد البشير، المتحدث الرئيسى فى الندوة فهَمْهَمَ وتساءل (ده مجنون ده ولا شنو ؟) ثمَّ نادى مقدم الندوة وهمس إليه (إنَّ الجبهة الديمقراطية ليس فيها قادة ومقودون) فتغيرت العبارة إلى (.. تقيم الجبهة الديمقراطية ندوة يتحدث فيها بعض اعضاء الجبهة الديمقراطية ).
عقب سمنار النشر والتوثيق التشكيلى ( 18 و 19 إبريل 2003) تلخصت ملاحظات أحمد البشير فى أنَّ ما تحقق من نجاح فى السمنار هو نجاح مرهون بقدرات الأفراد ممن تجشموا مشقة الإعداد للسمنار وكتابة الأوراق والمناقشة، وكان يعتقد أنَّه من الضرورى الشروع الفورى فى إتجاه البحث عن أسس للعمل المؤسسى. فذلك هو أحمد البشير، كما عرفناه، يذهب مباشرة إلى مواطن الوجع والألم . ودائماً فى طليعة المبادرين فى فتح الآفاق وبلورة ما هو مستعصى من الإشكالات النظرية . فقد كان دائماً مبادراً وسباقاً .
عندما إستعصت ورقة (دور التقنية فى النشر والتوثيق التشكيلى - أحمد رمبة) فى سمنار النشر والتوثيق التشكيلى، على من عرضت عليهم كمناقشين رئيسيين لها، بل وذهب البعض إلى أبعد من ذلك ورأى إزاحة الورقة عن السمنار، كان أحمد البشير هو الوحيد الذى تصدى لمهمة مناقشة الورقة. لا بالإزاحة، بل بذهن مفتوح وقدرة عالية على عدم الضيق بما يمكن أن يشكل خلافاً فى وجهات النظر. فجلسنا سوياً وتابعنا الورقة سطراً بسطر وفقرةً بفقرة واتفقنا على أن يقوم هو بدور المناقش الرئيسي للورقة. وقد حضر بالفعل فى اليوم الأول من السمنار. وفى صباح اليوم التالي، وهو اليوم المحدد لمناقشة الورقة، ألمت به وعكة صحية كانت واحدة من سلسلة من الوعكات التي أخذت تنتابه في الفترة الأخيرة، ولم تتم المناقشة . وعقب السمنار إقترح أن يقوم هو بالكتابة عن السمنار، ككل، مع التركيز على الورقة المحددة . ولكنه سرعان ما طوَّر الإقتراح إلى إقتراح آخر أكثر شمولاً بادر هو بتقديمه، وشرع مباشرة في الإعداد لتنفيذه. وهو تقديم ندوة يتحدث فيها هو، بشكل شامل وكامل عن واقع الحركة التشكيلية في السودان. فتناقشنا حول موضوع الندوة وحول إشكالات الندوات، وما يصاحبها من مشاق الحضور بالنسبة للراغبين في الحضور، إلى الزمن الذي أصبح، عادة، لا يكفي لفتح المداخلات حول موضوع الندوة بشكل كاف، وانتهاءاً بالآراء الإنطباعية التى عادة ما تستهلك وقت الناس داخل الندوات. فاقترحت عليه أن يقدم نص الندوة مكتوباً قبل وقت كاف من قيامها، ثمَّ ينسخ ويوزع على المهتمين من الراغبين فى المناقشة حتى تتاح لهم فرصة الإطلاع علي النص وعلى ما يرغبون فيه من المراجع، ثمَّ إعداد مساهماتهم في المناقشة بشكل أفضل يفيد الحضور . فوافق على الإقتراح بلا تعقيدات. لم نكن في عجلة من أمرنا لتنفيذ الإقتراح . ولكن . . . .
كان ذلك ضمن آخر مكالمة هاتفية معه، وبعدها كان النبأ الحزين . . أن رحل أحمد البشير . . .
رحل أحمد البشير وخلف لنا فاطمة، فدوى، مهيرة وهاشم .
رحل ولكنه مازال باقياً فينا . في وجداننا، في أذهاننا وفى خطابنا التشكيلي ما بقى لنا خطاب .
صلاح حسن عبد الله
لا يحق لأي جهة إعادة نشر المادة الموجودة على هذا الموقع إلا بإذن كاتبها |