Sudan Artists Gallery | home

About us

Artists

Collection

Articles

Art news

Contacts

Site map

Links

Arti

Arabic Articles

‎ ‎ملاحظات أولية حـول‎ ‎صناعـة الثقافـة‎ ‎

‎ ‎د . حيدر إبراهيم‎ ‎

‎ ‎‎ ‎

يبدو العنوان صعب القبول للذائقه السودانية لأنَّ الثقافة والفنون بوجه خاص ترتبط بالتلقائية والعفوية والإعجاب بينما ‏كلمة صناعة قد تقود الذهن مباشرة إلى الإنتاج والاستهلاك والتوزيع والترويج. ولكن بعيداً عن الفهم التقليدي للتعامل ‏المثالي مع منتجات الثقافة والفنون والإبداع فإنَّ عالمنا الذي يتعولم بسرعة جعل من الثقافة فعلا عابراً للحدود مما ‏يتطلب قيام مؤسسات ترعى الثقافة والفنون بقصد وصولها إلى قطاعات واسعة من المتلقين والمتذوقين من خلال ‏التوزيع بأشكاله المختلفة في الإتصال الإليكتروني ودور النشر العالمية والصالات والقاعات والمسارح ودور السينما. ‏وهذا نشاط تقوم به شركات وممولون يكون هدفهم الربح وليس التثقيف فقط. ولا يتعارض الهدفان في كثير من ‏الأحيان لأنَّ القائمين بالأعمال مهتمون بالثقافة والفنون.‏‎ ‎

 لم يعد المبدع أو الفنان هو ذلك البوهيمي التائة والزاهد. فهو جزء من مجتمع وحياة لهما متطلبات وحاجات مادية ‏ومعنوية لابد من تلبيتها. كما أنَّ إنتاج الثقافة صار مكلفاً وهناك مدخلات لإنتاج الكتاب أو اللوحة أو المسرحية أو ‏الفيلم لابد من ملاقته. وهو يفوق في كثير من الأحيان الإمكانات الفردية وهذه عقبة كبيرة في طريق إنتشار الثقافة ‏والفنون. ومن هنا كان علينا أن نولي عملية صناعة الثقافة اهتماما خاصاً. وقد مال المشرفون على هذه الندوة إلى ‏عنوان: تمويل نشر الفنون. وفضلت صناعة الثقافة لأنَّ هذا المفهوم عملية متواصلة بينما قد يكون التمويل متقطعاً ‏وعشوائياً خلافاً لتأسيس صناعة مثل كل الصناعات الأخرى‎ . ‎

شروط قيام صناعة ثقافية – فنية‏‎ : ‎

من نافلة القول التأكيد بأنَّ الثقافات السودانية الراهنة يغلب عليها طابع البداوة بينما الحضارات ترتبط بالإستقرار ‏والإستمرارية لذلك نلاحظ أنَّ كل الحضارات الإنسانية كانت فيضية أو نهرية أو معتمدة على نظام ري دقيق ومنسق. ‏فالإستقرار قرب الأنهار تطلب قيام الدولة والمجتمع لتنظيم العلاقات بين الدولة والأسرة والجيرة. فهذه مؤسسات ‏ضرورية لقيام الحضارات. أما السودان فقد جعل منه موقعة معبراً لكثير من هجرات الشعوب والثقافات المتتالية مما ‏أفقد الثقافة الإستمرارية وأصبحت الثقافة متقطعة أومنقطعة. وغاب التراكم الحضاري. فقد كانت الثقافة الجديدة تقوم ‏على أنقاض الماضي. فعندما نبحث عن المدن والحواضر القديمة نجد أنَّها تكاد تندثر. هناك خراب سوبا. وبالتالي ‏غابت آثار الممالك القديمة فى السودان. اندثرت الكنائس وصوامع الرهبان عكس مصر على سبيل المثال. ففي ذلك ‏المجتمع الفيضي أو النهري المستقر لم يكن من الضروري القضاء على الماضي بل يمكن أن يصهره ويتمثله الجديد ‏بشكل مختلف.‏‎ ‎

أثَّرت روح البداوة على الإنسان السوداني حتى الآن والذي يفتقد الإستمرارية والمثابرة والأداء الجماعي. ورغم ‏دخول التعليم الحديث منذ بداية القرن الماضي إلا أنَّ البنى والمؤسسات التقليدية لم يطرأ عليها تغييراً جذرياً لذلك من ‏الملاحظ أنَّ الكيانات الحديثة في شكلها، مازال مضمونها وطريقة عملها ينتمي إلى المجتمع التقليدي، الثقافة بمعناها ‏الضيق وغير الأنثروبولوجي. وهنا تتضمن النشر الفني أونشر الفنون تحتاج لكي تنمو وتزدهر إلى مجتمع حديث ‏يتسم بالتخصص وتقسيم العمل ثم يتجه هذا المجتمع إلى تنمية إقتصادية عقلانية في إستغلال وإستخدام الموارد ‏الطبيعية والبشرية بحيث تتم عملية تلبية الحاجات الأساسية الضرورية بطريقة تجعل للإنسان السوداني وقتاً أكبر ‏للفراغ، ومن هنا يستطيع أن يضيف حاجات جديدة أبعد من مجرد البحث عن المأكل والمسكن والمواصلات ‏والكهرباء والمياه النقية والتعليم والعلاج . ولنا أن نتساءل في هذا الموقف: هل تمثل الثقافة والفنون حاجة حقيقية ‏للإنسان السوداني العادي؟‎ ‎

إنَّ الإجابة على مثل هذا السؤال هي التي قد تساعد في البحث عن جدوى وأمكانية قيام صناعة ثقافية. ويحتاج الباحث ‏إلى إحصائيات دقيقة أوحتى تقريبية لمعرفة أعداد المستهلكين لو صح التعبير – للثقافة أو المستفيدين والمستمتعين ‏بها. فالمطلوب معرفة توزيع الكتب والصحف وعدد قاعات العرض للفنون التشكيلية والسينمائية والمسرحية. وعدد ‏المرتادين أو زوار المعارض الفنية أو المترددين على دور السينما والمسارح.‏‎ ‎

ومن أشكال الخلل الذي يعقد وضعية الثقافة والفنون، ويضعف تطورها، الإتجاه الصفوى أو النخبوي الذي يسود ‏أوساطها. لا توجد الثقافة الجماهيرية – رغم إبتذال المفهوم في فترات معينة – ولكن نقصد ديمقراطية الثقافة بمعني ‏وصولها إلى أكبر عدد من المواطنين. فالأزمة تكمن الآن في غياب المتلقين للثقافة وبالتالي إنحصار الثقافة في دائرة ‏ضيقة للغاية وهذا مقتل أي ثقافة. فهي تحتاج للنقد والتقويم والتشجيع لكي تتطور. كما أنَّ الكثرة تكسر الركود على ‏مستويات عدة من بينها الترويج والإنتشار والتوزيع وهذا مصدر متجدد لإمكانيات مادية بينَّا أهميتها سابقاً. ولكن هذه ‏العلاقة معقدة ومتداخلة تبحث عن الأولوية هل يمكن أن ترتفع الأهمية بالثقافة والفنون دون وجود ملتقين ومهتمين؟ ‏كيف يمكن أن يساهم المتلقون رفع وزيادة الإهتمام بالثقافة والفنون؟‎ ‎

علينا أن نعمل – على مستوى سياسي مباشر ومجتمعي – على إعتبار الحق في الوصول إلى الثقافة والفنون من ‏الحقوق الأساسية للإنسان السوداني مثل الحق في التعبير وفي التنظيم وفي الحركة ثم في الحياة المادية الكريمة ‏عموماً. وهذا يعني أن تكون للثقافة أولوية في برامج الأحزاب وفي المطالب النقابية وفي نضال منظمات المجتمع ‏المدني. مازالت الثقافة تأتي من الكماليات وضمن متطلبات الرفاهية لدى السلطات الحاكمة باختلاف أسسها: ‏ديمقراطية أم دكتاتورية. كما لا تعطيها الأحزاب السياسية إهتماما في وعودها الانتخابية.‏‎ ‎

خطوات عملية في النشر الفني‎ : ‎

   رغم هذا الوضع المتردي للعمل الثقافي وإنحسار مداه في التأثير والوصول إلى قطاعات واسعة إلا أنَّه من أهم ما ‏يشغل العاملون والناشطون في الثقافة البحث عن كيفية كسر هذا الحصار والخروج من هذا التصحر الثقافي الذي لا ‏يقل عن التصحر البيئي. ومع أنَّ الأزمة تشمل كل مناحي الحياة في السودان إلا أنَّ جانب الثقافة يكتسب أهمية خاصة ‏لأنَّه يمكن أن يحرك عناصر الحياة الأخرى بما فيها العمل السياسي.‏‎ ‎

هنالك خطوات عملية مطلوبة كشروط لصناعة أو تمويل أو دعم الثقافة مادياً، منها‎ :- ‎

1/ ‎العمل الجماعي : - وهذا يعني خلق روابط وإتحادات ومنتديات تضم الفنانين، ورغم الفردية التي تميز الفنان على ‏مستوى الإبداع إلا أنَّ تحسين ظروف العمل وخلق المناخ المناسب لتطور العمل الإبداعى يصعب أن يتم بطريقة ‏فردية مهما كانت القدرات الذاتية لكل فرد. ولكن يلاحظ أن روح التفرد والتميز تتجاوز مجال الإبداع لكي تعطل ‏العمل الجماعي للفنانين كفئة لها مطالب وطرائق لتحقيق هذه المطالب. ولا تكفي المناشدة والنوايا الحسنة بل لابد من ‏إيمان الفنانين أنفسهم بوجود حاجة ملحة وضرورة لخلق شخصية إعتبارية تمثل كل الفنانين.‏‎ ‎

‎ 2‎/بين المحلية والعالمية :- سيكون من مهام الكيان الذي يجمع الفنانين خلق علاقات قوية خارج السودان. فالعالم ‏خلال السنوات الأخيرة أصبح يعج بالإتحادات والجمعيات والروابط التي تجمع أصحاب النشاطات والإهتمامات ‏المشتركة، ولا تنقطع المؤتمرات العلمية والمهنية. كما سهلت الوسائل الإليكترونية مثل وجود المواقع على الإنترنت ‏إمكانية التواصل والتعرف على العديد من المنظمات والإتحادات المماثلة. ومن المفروض على الفنانين السودانيين ‏الخروج من محليتهم المقيدة. وهذا يعني أن يتحلّوا بروح المغامرة والتجديد واقتحام مناطق مغايرة في التعامل ‏والتثاقف عوضاً عن الاكتفاء بالتثاقف الداخلي والعدواني في علاقات أبناء الدفعة أو المنطقة الجغرافية أو الحي أو ‏الشلة.‏‎ ‎

يمكن للفنانين من خلال العلاقات الواسعة والمتنوعة مع العالم الخارجي الحصول على الدعم غير المشروط من خلال ‏القيام بمشروعات مشتركة ونشاطات جماعية. وهناك العديد من المنظمات التي تقوم بتشجيع الفنون الجميلة في العالم ‏الثالث وتراها جزءاً من التنمية ويمكن لأي كيان للفنانين أن يؤسس بنكا للمعلومات الخاصة بهذه المنظمات يحرر فيه ‏عناوين واهتمامات هذه المنظمات وطرق التقديم ومواعيدها وشروطها. هناك جامعات ومعاهد أجنبية تدعم تطور ‏الفنون في البلدان الأخرى. وهذه العلاقة ضرورية وهي أقل حساسية في تعامل منظمات المجتمع المدني الأخرى، ‏لأنَّ الفنون مجال إبداعي ومهني لا يدخل مباشرة في القضايا الشائكة والمثيرة للجدل.‏‎ ‎

الجانب الهام في العلاقة الخارجية هو مستوى مشاركة الفنانين السودانيين في اللقاءات والمناسبات الإقليمية والدولية. ‏إذ لا بد من وجود سوداني فني ملموس يعكس تطور ونشاط الحركة الفنية السودانية ولقد دأب المبدعون السودانيون ‏عموماً على الشكوى بأنَّهم مهملون ولكن الحقيقة هي أنَّهم لم يفرضوا أنفسهم على الآخرين من خلال الموهبة والإنتاج ‏وليس التعاطف والتشجيع والمجاملة.‏‎ ‎

‎د . حيدر إبراهيم على‎ ‎
الخرطوم، ديسمبر، 2002‏‎ ‎

‎ ‎


لا يحق لأي جهة إعادة نشر المادة الموجودة على هذا الموقع إلا بإذن كاتبها