|
مستقبل النشر والتوثيق
فى مسـتقبل العمـل المؤسسى
صلاح حسن عبدالله
مع إفتتاح المعرض الجماعى الأول للإتحاد العام للفنانين التشكيليين السودانيين مساء الإثنين 1
/ 4 / 2002 تم الإتفاق مع الدكتور راشد دياب على تأجيل الندوة التى كان يفترض إقامتها بغاليرى دارا حول تجربة الأستاذ حسين جمعان ، من مساء نفس اليوم، إلى مساء اليوم التالى . وفى صباح اليوم التالى (الثلاثاء 2
/ 4 / 2002) إتضح أنَّ هنالك ندوة أخرى بالمركز الثقافى الفرنسى حول أعمال كل من عبد المنعم حمزة، حامد خالد وخالد مدنى . إضافة إلى إفتتاح معرض التشكيلى الأخ معاذ بالمركز الثقافى الألمانى مساء نفس الليلة أيضاً، بينما كان الجزء الثانى من ندوة غاليرى دارا حول تجربة الأستاذ حسين جمعان مساء يوم الأربعاء 3
/ 4 / 2002 ، وندوة (المهن التشكيلية) بالمركز الثقافى الألمانى مساء السبت 6
/ 4 / 2002 ، ثم إفتتاح معرض أميمة حسب الرسول بمركز الدراسات السودانية مساء الأحد 7
/ 4 / 2002 . أعقب ذلك إفتتاح المعرض الجماعى الثانى للإتحاد العام للفنانين التشكيليين السودانيين مساء الإثنين 8
/ 4 / 2002 .
كل ذلك خلال الأسبوع الأول من شهر ابريل . ولكن الأسبوع الأول من شهر أبريل ليس وحده الذى حمل كل هذا النشاط التشكيلى المكثف ، بل إنَّ كل أسابيع الحركة التشكيلية قد أصبحت شبيهة بذلك تقريباً. فعندما صعبت المتابعة لدى أحد التشكيليين عبر عن ذلك على نحو عفوى بأنَّه لم يعد يدرى هل هذه هى (الخرطوم ) أم (برلين) التى تقدم كل هذا النشاط التشكيلى فى وقت واحد؟ً . ورغماً عن عفوية السؤال إلا أنَّ المسألة تستحق التوقف عندها من قبل التشكيليين للتنسيق على الأقل، ثم للمفاكرة حولها وحول أمور أخرى أكثر عمقاً وجوهرية من مجرد النظر فى مسائل التنسيق الإجرائية . فالحركة التشكيلية تبدو اليوم وكما لو انَّها تسبح ضد التيار العام، تيار الإحباط والفوضى وتيارالإنهزام ، وضد تيار الحيرة ؛ حيرة الخطاب السياسى وحيرة المتعلمين الأكاديميين، لا يضاهيها فى ذلك إلا الحركة النسوية تقريباً، مع إعتبار الفارق فى كون الحركة النسوية اليوم هى أكثر مؤسسية من الحركة التشكيلية . فالحركة التشكيلية هى حركة اتيحت لها، وعلى مدى أكثر من خمسين عاماً ، فرصة أن تختبر قدراتها وأن تختبر إمكاناتها بمعزل عن أى دعم رسمى على نحو أشبه بما سبق أن عبر عنه الأستاذ أحمد الطيب زين العابدين فى حديثه عن علاقة كلية الفنون بالمعهد الفنى :
- (إنَّ تخلى كلية غردون عن مدرسة التصميم وإشفاق المعهد من تحمل تبعية كلية الفنون للإختلاف المظنون فى طبيعة عمل الكلية مقارنة بالتركيز الشديد على التقنية والمهنية البادى فى كلياته الأخرى أكسب كلية الفنون حريةً لا تحسد عليها فى تحديد أهدافها وممارساتها . فنمت على مدى ثلاثين عاماً نمواً عضوياً حراً أكسبها مناعةً ضد التدخل المباشر وحساسية مدركةً للإحتياجات الثقافية والإجتماعية فتعددت أدوارها على مدى عمرها)
. ملحق الآداب والفنون - الأيام 28
/ 12 / 1979 .
إنَّ ما يجرى على الساحة التشكيلية اليوم ليس هو مجموعة من الأحداث المتفرقة أو العابرة، بل هو حدث واحد يتأسس على أرضة تتمدد على مدى واسع من التجارب وإختبارات التواصل بين مختلف أطراف الحركة التشكيلية . وهى أرضية أخذت شكلاًّ أكثر جلاءً، خلال السنوات القليلة الماضية، مع مجموعة الأنشطة التى إبتدرتها مجموعة من التشكيليين حديثى التخرج فى كلية الفنون والذين سرعان ما إنضم إليهم عدد كبير من قدامى الخريجين . خبرات وتجارب تتوغل على مدى عدة عقود من الزمان، وصاغت لنفسها منهجاُ يقوم على فكرة تلاقح الأجيال بدلاً عن صراع الأجيال وإتخذت المفاكرة والمبادلة النقدية والمثاقفة والندية منهجاً تحاول أن تنير به الطريق أمامها .
فقد كنا نحن والآخرون من التشكيليين، من الذين قد نتفق أو نختلف معهم، كنا داخل مساحة لا محدودة ولا ممدودة؛ مساحة ينجدل فيها الوهم مع الحقيقة ، والواقع مع الخيال ويترادف فيها الفعل مع المستحيل، والنجاح مع الفشل، والإحباطات مع الإشراقات . كنا فى البرزخ مابين التشكيل و (أللا) تشكيل . حتى طالعتنا جمعية التشكيليات السودانيات مساء يوم 14
/ 12 / 2000 بندوة حملت عنوان (قضايا التشكيل المعاصرة)، شهدت تجمعاً متفرداً من تجمعات التشكيليين شمل من الأستاذ عبد الله محى الجنيد وحتى آخر الخريجين من التشكيليين حديثى التخرج فى كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بالخرطوم . تشعب فيها الحديث وتكثَّفت داخلها الأسئلة أكثر من الإجوبة . وهى أسئلة لم تكن لتنتهى إلا لتولد أسئلة أخرى من نوع جديد أعلى نسقاً .
وبعدها طالعتنا مجموعة أخرى من الشبان التشكيليين المتطوعين بالدعوة لمنتدى مصغر ومفتوح خلال واحدة من أمسيات شهر رمضان 1423 هـ . أعقبتها فترة من الإنتظار كانت كافية لتنظيم سمنار حول العمل التتنظيمى بتاريخ 15
/ 1 / 2001 بدار الهيئة القومية للآداب والفنون . قدمت فيه ثمانية أوراق من ثمانية من التشكيليين . ويمكن أن نقول، وبشىء من التأكيد، أنَّ دفق الحياة الشبابية الذى حقن الحركة التشكيلية فى سنواتها الفائتة قد جدد شبابها، وهو يمهد الطريق، وبشكل طبيعى، إلى ضرورة فتح كل الأبواب وكل القنوات بلا وجل أو خوف من النتائج المحتملة .
وكما تعلمنا كلاسيكيات الفلسفة فإنَّ بلوغ المعيار اللازم من المعارف والخبرات الضرورية لن يؤدى دائماً إلا لحدوث طفرة نوعية فى الظاهرة التى تشملها هذه المعارف . وذلك هو ما أذنت به مجموعة الأنشطة التى شهدتها الساحة التشكيلية خلال سنواتها القليلة الماضية، والتى يبدو أنَّها قد تبلورت فى إتجاه الطفرة النوعية المرتقبة فى مساجلات التشكيليين ومناظراتهم ، بدءاً بندوة (المهن التشكيلية) بتاريخ 4
/ 6 / 2002 التى أقامتها جمعية التشكيليين السودانيين وتحدث فيها كل من الدكتور محمد الحسن على ومحمد حسين الفكى والأستاذ أبوالباهى عبد الحليم المحامى . والتى حملت مضموناً يختلف نوعياً عن جملة المناظرات والمساجلات التى عرفتها الحركة التشكيلية فى تاريخها السابق والتى كانت تبحث دائماً فى التشكيل كنشاط ثقافى طوعى، تحت مظلة عرفت التشكيليين كممثلين للنشاط التشكيلى كنشاط ثقافى مسائى, غالباً فى الأمسـيات وداخل صالات العرض والصالونات . بينما واقع حالهم يقذف بهم مباشرة إلى النظر إليهم كممثلين لشريحة إنتاجية تعمل ضمن شروط الإنتاج الماثلة أمامنا اليوم بكل سوءاتها ورداءتها, حيث الإمكانية وحيدة الجانب, ليس فى المفاكرة والمثاقفة والندية بل فى المساومة، وحيث السهولة فى الإصطياد والإفتراس فى العمل المهنى .
ويوضِّح الدكتور محمد الحسن على فى ندوة (المهن التشكيلية) أنَّه قد سبق له أن حاول طرح الفكرة (فكرة النظر إلى العمل التشكيلى خارج مساحات العمل الثقافى الطوعى) فى وقت سابق، ولكنها لم تجد القبول .
. وقبل الاسترسال فى ذلك فلنحاول قراءة تاريخ الإشكالية بما يتيح إستشراف آفاق الحلول التى تنتظرها . فليس صحيحاً على هذا النحو من الدقة أنَّ الفكرة لم تجد القبول . ولكن الأصح من ذلك هو أن نقول أنَّ عدم تأسيس الأرضية المشتركة للمفاكرة هو الذى حال دون المفاكرة . ذلك أنَّ الفكرة نفسها هى فكرة تظل فى حاجة إلى مواعين أكثر سعة من سعة المواعين التقليدية التى عرفتها الحركة التشكيلية فى تاريخها ، مواعين تملك القدرة على إستيضاح كافة وجهات النظر بلا إستثناء ، وتملك القدرة على التعرف على واقع الحركة بشكل موضوعى، وبلا عجلة .
لقد سبق للأستاذ شبرين أن طرح الفكرة نفسها عام 1974، يوم أن حاول إلحاقها بنصوص دستور الإتحاد العام للفنانين التشكيليين السودانيين، فلاقت محاولته نفس المصير الذى لاقته محاولة دكتور محمد الحسن على لاحقاً، قبل الندوة الأخيرة بتاريخ 6
/ 4 / 2002 . فبناء الأرضـية المشتركة يظل شرطاً أساسياً للنظر فى الفكرة . وهى فكرة لا شك إنَّها تكاد أن تشكل القاسم المشترك الأعظم من الهموم المشتركة بين كافة التشكيليين على مختلف رؤاهم ومختلف تكويناتهم الفكرية والسياسية والنفسية بلا إستثناء . فالتشكيليون هم أصلاً أناس محترفون ويفترض فيهم أنَّهم مؤهلون أكاديمياً لموضوع إحترافهم .
إنَّ المواعين المفترضة لذلك، وقبل تسميتها، هى مواعين تستبطن بالضرورة تاريخ الإشكالية . وهى إشكالية بدأت اصلاً مع تأسيس كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بالخرطوم . وبصرف النظر عما دون فى أدبيات إنشاء كلية الفنون وتسمياتها المختلفة كمدرسة الصنائع أو مدرسة التصميم، إلا أنَّها قد عرفت تاريخياً كمؤسسة تعليمية يفترض فيها تأهيل معلمى التربية الفنية . وظل كل خريجى الكلية فى سنواتها الأولى يلتحقون مباشرة عقب تخرجهم بوزارة التربية والتعليم للعمل بها كمعلمين للتربية الفنية . ثم رسخت كلية الفنون تقليداً سنوياً بأن تمنح وزارة التربية والتعليم عدداً من المقاعد الدراسية للمعلمين المنتدبين من وزارة التربية والتعليم لتلقى دراسات نظامية داخل كلية الفنون، وذلك دون كل المؤسسات والمصالح الحكومية الأخرى . وبذلك فقد أسست كلية الفنون لنفسها علاقة عضوية مع وزارة التربية والتعليم، لن نقلل من قيمتها التاريخية هنا باى حال من الأحوال .
ولكن ما يهمنا من ذلك الآن هو أن مهنية خريجى كلية الفنون قد أرتبطت تاريخياً بوزارة التربية والتعليم للعمل بها كمعلمين، تنطبق عليهم كافة شروط المهن التعليمية . بينما بقيت ممارستهم العملية للتشكيل هى ممارسة معنية بشغل أوقات الفراغ، ممارسة طوعية، كما فى إقامة المعارض، أو أعمال اللافتات مثلاً والتى ملأت يومها سوق الخرطوم بشقيه العربى والأفرنجى وماشابه من ممارسات للتشكيل إمتدت حتى وصلت أسواق أمدرمان وبحرى .
وإستمر الحال كذلك حتى منتصف الستينات تقريباً حيث إنفتحت بعض المجالات أمام خريجى كلية الفنون للعمل خارج وزارة التربية والتعليم، على نحو ما حدث مع الأستاذين تاج السرأحمد وأحمد جرجس نصيف الذين عملا كمصممين بمجلة الخرطوم على سبيل المثال . وقد كان ذلك مع إرهاصات الطفرة الإجتماعية والصناعية الأولى التى كانت مفترضة على أيام نظام الفريق عبود وخطتهم الإقتصادية العشرية التى ولدت أصلاً كخطة كسيحة (راجع فى ذلك كتاب وزراء مالية ورجال أعمال عرفتهم - مكى عثمان مكى - ص 13)
وكما يوضح الأستاذ أحمد الطيب زين العابدين فى عرضه لمراحل تطور كلية الفنون (وبعد الإزدهار النسبى للصناعة والتجارة فى السبعينات صارت مركزاً لتخريج المصممين الذين هم بمصـانع النسيج ودور النشر فى البلاد) جريدة الأيام 28
/12/ 1979. ولعل ذلك قد تم، وعلى نحو أكثر تحديدا، مع صياغة الخطة الإقتصادية الخمسية للنظام المايوى والتى كانت تفترض طفرة صناعية كبرى، يساهم في بنائها كثير من القطاعات بما فيهم خريجو كلية الفنون والذين تحولت مهمتهم من مهنية العمل، كمعلمين للتربية الفنية، إلى مهام مهنية العمل كمصممين . وإنفتحت بذلك أمامهم آفاق أوسع وأرحب بما لا يقاس لإستيعاب طاقاتهم وقدراتهم . مثال لذلك ما تم فى صناعة النسيج يوم أن انشأت المؤسسة العامة للغزل والنسيج والتى أوفدت، فى منتصف السبعينات، عدداً من خريجى تصميم وطباعة المنسوجات (حوالى سبعة مصممين من أصل ثلاثة عشر مصمماً ممن تم إستيعابهم) إلى إنجلترا لمدة سنتين للتاهيل، وذلك إستعداداً لمساهمتهم فى تصنيع القطن السودانى (ذهب السودان الأبيض كما كان يسمى حتى ذلك الوقت) والذى كان يفترض أن يشهد طفرة كبرى بعد أن رصد لها المال الكافى . وكذلك كان هو الحال أيضا مع المؤسسة العامة للصناعة والتعدين التى إستوعبت عدداً كبيراً من خريجى كلية الفنون . إضافة إلى ما شهدته وزارة الثقافة والإعلام من إهتمام بالتشكيليين بعد إستيعاب عدد كبير من خريجى كلية الفنون عندما أنشأت مصلحة الثقافة على يد الأستاذ إبراهيم الصلحى فى منتصف السبعينات . وأيضاً إستيعاب عدد كبير من المصممين فى معرض الخرطوم الدولى . وإستيعاب عدد آخر بقاعة الصداقة بالخرطوم، ثم دار النشر بجامعة الخرطوم وعدد آخر بالمطبعة الحكومية وغيرها من مختلف المرافق .
ومع تردى حال الخطة الخمسية المايوية وإنهيارها ثم إنهيار مقومات النظام المايوى كنظام، برزت على السطح إشكالية العمل التشكيلى فى شكلها السافر والساطع حيث تم الإستغناء عن عدد كبير من التشكيليين الذين تم إستيعابهم وفقاً لطموحات الطفرة التى كانت مفترضة . وفى نفس الوقت لم يعد الرجوع إلى وزارة التربية، كمخدم، يرضى طموحات التشكيليين ولا طموحات الحركة التشكيلية التى شهدت هى الأخرى جملة من تطوراتها التى نبعت من تناقضاتها الداخلية . ومع تطور تعقيدات واقع الحياة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية فى السودان أخذت الإشكالية تتبلور حتى أصبح الحديث عنها كإشكالية هو أمر ممكن على صعيد العمل الجماعى المؤسسى ؛ العمل الذى يبحث عن الحماية الجماعية بدلاً عن الحلول الفردية ، والتى لم يجن التشكيليون منها سوى فتات الهامش .
لقد سقطت الخطة الخمسية المايوية، وأصبحت مايو نفسها فى ذمة التاريخ ولكن تراكم رأس المال لا يعرف الفروقات بين مايو أو الإنقاذ . واستمر رأس المال فى التصاعد حتى تحول إلى مؤسسة شرهة تمدد من وجودها وتبسط من نفوذها ومن هيمنتها كل يوم فى واقع حياة الناس . إنَّ سياسة كسياسة تحرير الأسعار (1992) كانت هى التمهيد الأولى الطبيعى لقبول فكرة ضريبة القيمة المضافة، ثمَّ فكرة إتفاقيات تحرير التجارة الدولية لاحقاً . فالشركات التى كانت تسمى بالشركات عابرة القارات، أصبحت اليوم هى شركات عابرة حتى للفضاءات ولعقول الناس ولوجدانهم أيضاً . وهى على إستعداد للإستثمار فى أى شىء . وعليه، فلنا أن ننظر فى فداحة مستقبل العمل العشائرى مقابل مستقبل العمل المؤسسى .
وعلى كل فقد بقيت حقيقة التطور النسبى فى الصناعة الذى سبق أن تكلم عنه الأستاذ أحمد الطيب . وسواء كان هذا التطور مايوياً او إنقاذياً فإنَّ ماَ يهمنا منه الآن هو انَّ الإحتياج المتنامى والمتزايد للكوادر المؤهلة من التشكيليين فى مختلف مجالات العمل التشكيلى، هو إحتياج يتم حتى الآن خارج أطر الفهم والعمل المؤسسى وسط التشكيليين . وبالتالى فهو يتم بدون أن ترسخ له أى تقاليد مؤسسية فى مجال التشكيل، بينما بقيت كلية الفنون فى مفترق الطرق وتاهت مناهجها بإفتراض أن تتولى مهام تأهيل كوادر الحركة التشكيلية العاملة فى مجالات العمل التشكيلى على قدر ما تتطلبه إحتياجات الإقطاعية الرأسمالية وتطورها النسبى فى الصناعة من الكوادر المؤهلة فى مجال العمل التشكيلى، خاصة مع الطفرة التقنية التى تمدد هى الأخرى من نفوذها اليوم وفقاً لقوانينها الخاصة، مما يستدعى إعادة النظر على نحو أكثر موضوعية فى مهام وإستراتيجيات كلية الفنون وبالتالى إسترتيجيات الحركة التشكيلية والتى لن تسلم من الإختلال إلا بمساهمة التشكيليين أنفسهم فى صياغتها .
إنَّ واقع الحال يفيدنا انَّ مجالات عمل خريجى كلية الفنون الآن هى :
-
1) التصميم الإيضاحى :- وهو المجال الأوفر سعة لإستيعاب قدرات وطاقات التشكيليين، بما فى ذلك تصميم اللافتات التى أصبحت أعمالاً إيضاحية أكثر من أى شىء آخر .
2) الطباعة :- وهى ترتبط مباشرة بدورة رأس المال، حيث الإستثمار اليومى الضخم فى أعمال الطباعة وحيث البحث دائماً عن العطاءات الأقل سعراً بدلاً عن البحث عن المرئيات الأكثر جمالاًً .
3) الديكور أو التصميم الداخلى :
- والذى يرتبط بالهجمة المعمارية الغاشمة والتى تبحث هى الأخرى فى القيمة المالية للمواد الخام قبل أن تبحث عن القيمة الجمالية فى المعمار.
4) التربية الفنية .
5) العمل الثقافى التخطيطى الإدارى .
ولكنَّ محاولة حصر مجالات عمل خريجى كلية الفنون، بهذه الكيفية، تفقرها تماماً وتحيلها الكتابة عنها إلى نوع من كتابة التقارير الرسمية وجفافها الذى لا ينفصل عن جملة الجفاف المستشرى وسط الأفندية المتنفذين من المناط بهم إتخاذ الكثير من القرارات المصيرية فى حياة الناس . تليهم إدارات القيادات السياسة المناط بها إتخاذ القرارات الأكثر خطورة فى حياة الناس ومستقبلهم .
ولكننا هنا بصدد مهنة تخرج عن حدود المألوف والمتعارف عليه مما يمكن أن تستوعبه الخدمة المدنية ودرجاتها الوظيفية من نوع الدرجة السابعة أو الرابعة أو حتى الدرجة الأولى .
. إلخ .. إلخ . نحن هنا بصدد الحديث عن مهنة تلامس كل الأطياف المدركة وغير المدركة فى الذهن البشرى ؛ الذهن الخلاق، المنفتح دوماً على إحتمالات المستقبل الزاخر بالعمل الإبداعى والممتلىء بكل الأشواق الأنسانية ورغبات الإنسان الدائمة فى أن يكون أكبر مما يمكن أن يكون، وبالأحلام ؛ كل الأحلام الممكنة وغير الممكنة أيضاً، والحافل بالتوتر المستمر والذى (تختلط فيه نساء تاهيتى بالدراويش)[1]. فمجالات العمل، التى لامسها التشكيليون السودانيون، كانت بإستمرار أوسع مدى مما يمكن أن تستوعبه خيالات الكثيرين من المتنفذين قصيرى النظر ممن لم ينعم الله عليهم بنعمة التأمل قليلاً فى واقع الحياة من حولهم . نقول ذلك والحركة التشكيلية فى السودان تستند على رصيد طيب من الخبرات والتجارب من مساهمات التشكيليين السودانيين فى مجالات العمل العام ، بدءاّ بتصميم طوابع البريد ضمن مساهمات الأستاذ بسطاوى بغدادى، تصميم الجنيه السودانى ضمن مساهمات الأستاذ بسطاوى بغدادى والأستاذ أحمد محمد شبرين، تصميم وإنشاء معرض الخرطوم الدولى ضمن مساهمات الأستاذ المرحوم زكى الحاج، تصميم وإنشاء شركة مطابع السودان للعملة وتصميمات الدينار السودانى ضمن مساهمات الأستاذ إبراهيم الدسوقى، فكرة تصميم وإنشاء معهد القرش الصناعى ضمن مساهمات الأستاذ مالك الزاكى, فكرة تصميم وإنشاء قاعة الصداقة ضمن مساهمات الأستاذ المرحوم شفيق شوقى، فكرة إنشاء مصلحة الثقافة ضمن مساهمات الأستاذ إبراهيم الصلحى . كل ذلك جنباً إلى جنب مع مساهمات التشكيليين السودانيين فى بناء القطاع الصناعى على نحو ما نجده فى تجربة الأستاذ تاج السر الطيب (فى تأسيس مطبعة دينا) الأستاذ عمر الأمين شبر (فى تأسيس مطبعة النجم الفضى) الأستاذ شريف مطر (تأسيس مطبعة المركز الطباعى) الأستاذ أحمد جرجس (فى تأسيس مطبعة آفروقراف) الأستاذ محمد مضوى (تأسيس مطبعة المروة) الأستاذ فتح الرحمن بابكر (فى تأسيس مطبعة فال) الأستاذ ضياء الدين أبو العزائم (فى تأسيس مطبعة التضامن)
. نضيف إلى ذلك مساهمات التشكيليين السودانيين فى أدائهم اليومى متمثلاً فى تصميم الشعارات ومختلف أعمال التصميم التى أسهم فيها عدد كبير من التشكيليين وتستهلكها الآن مؤسسات رأس المال على نحو فظ ومستمر يومياً . وغير ذلك من مساهماتهم مما لا يسعه الحيز هنا لأنَّ حركتنا التشكيلية تعانى، وبشكل فادح من قصور عملية الرصد الكافى ومن عمليات التوثيق .
ورغماً عن قصور عمليات الرصد والتوثيق ولكن فلن تغيب عنا مساهمات التشكيليين السودانيين فى المحافل الدولية خارج السودان على نحو ماحدث فى حصول كل من محمود جاه الله وسيف الدين اللعوتة وأحمد عامر جابر على المركز الأول فى مسابقة نوما العالمية لرسومات الأطفال باليابان على مدى عدة سنوات مختلفة، وحصول كل من صالح الزاكى وحسين جمعان على جائزة الشراع الذهبى ببينالى الشارقة، ثم تكريم الحكومة الهولندية فى ديسمبر من العام قبل الماضى للأستاذ إبراهيم الصلحى ضمن عشرة مبدعين من مختلف أنحاء العالم . ولعله من نافلة القول أن نشير فى هذا الصدد إلى الإحصائية التى سبق أن قدمها الأستاذ محمد على إبراهيم حول هجرة المبدعين السودانيين والتى تتضمنت 124
(مائة وأربعة وعشرين) تشكيلياً ممن هجروا السودان . ولما كانت الإحصائية ليست دقيقة فإنَّ المعرفة المباشرة بأعداد كبيرة من التشكيليين المتواجدين خارج السودان ، تؤكد انَّ الرقم الحقيقى هو أكبر من ذلك بكثير . وعلى نحو ما ماجاء فى حيثيات الإحصائية فلا وزارة الثقافة أو كلية الفنون أوهيئة السودانيين العاملين بالخارج تملك أى معلومات عنهم [2]. ونضيف أيضاً أنَّ الإتحاد العام للفنانين التشكيليين السودانيين لا يملك هو الآخر معلومات كافية حولهم . كما لا توجد جهة رسمية أو شعبية تملك معلومات عن كيفية هذه الهجرة [3]. فقط يفيدنا السيد عبد الدافع الخطيب أمين عام وزارة الثقافة لحظة إعداد الإحصائية أنَّه لم يتم أى رصد بعد، ويضيف (نحن نسعى لفتح قنوات بين الوزارة والمبدعين فى الخارج ونخطط لإقامة مؤتمر ، خاصة وأنَّ الظروف الآن تساعد على تحسين الصورة وسنرسل للسفارات والجاليات خارج الوطن حتى نتحصل على عناوينهم لمخاطبتهم)[4] . ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم لم يتم أى شىء فى هذا الخصوص . وحتى إبراهيم الصلحى الذى أبدى حرصاً كبيراً على زيارة السودان سنوياً تقريباً (ومن حر ماله) إضطر لإستخراج جواز سفر بيريطانى حتى يتسنى دخول ومغادرة السودان بلا تعقيدات . وعلى كل حال ترى ماهو الرقم الحقيقى لعدد التشكيلين السودانيين المتواجدين خارج السودان ؟ .
. السؤال على نحو أكثر إفادةً : ترى ماذا فعل فيهم الزمان ؟ .
. أو ماذا فعلوا فيه ؟
الأنظمة المتحضرة وحدها هى التى تحتفى بمبدعيها . أمّا مبدعينا فيا لمأساتهم ويالفاجعتهم !! فحتى قمة الهرم لدينا، والمتمثل فى عمداء كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بالخرطوم، فهم لم يؤرخ أو يوثَّق لهم . وبقيت سيرتهم وتاريخ أدائهم طى الكتمان والأهمال .
. فيالحسرتهم ويالفاجعتهم .
ولكن فمن المؤكد أنَّ عبارات من نوع (الحسرة، المأساة أو الفجيعة) لن تفيدنا فى شىء . ولكن ما يفيدنا فقط هو التفكير العلمى تجاه إعادة البناء؛ (البرويسترويكا)
. وإن لم يرض هذا المصطلح طموحاتنا فلنستعر تعبير آخر، محلى، جاء على لسان التشكيلى حاتم بابكر، أحد الشبان التشكيليين من المشاركين فى هذا السمنار ، وهو عبارة (نحو إعادة تخطيط الذاكرة التشكيلية)
. وهى إعادة تخطيط تتم فى ظل ظروف تفشى الأمية التشكيلية وتغييب الذاكرة والذى تتبعه محاولات إقصاء التاريخ وطمس حقائق الواقع المادى الموضوعى ثم تغبيش الوعى فى ظل سيادة مؤسسة الهيمنة الرأسمالية، التى تفعل فعلها وفقاً لشروطها وقوانينها الخاصة . وهى مؤسسة لن يفك طلاسم تكوينتها إلا العمل المؤسسى . وبذلك فإنَّ ترسـيخ تقاليد للعمل المؤسسى فى مجال التشكيل تظل هى الشرط الأساسى فى بناء مستقبل النشر والتوثيق التشكيلى .
إنَّّ فعل العمل التشكيلى المؤسسى هو فعل يقف فى مقابل فعل البناء الرأسمالى المتطور والمتمدد يوماً بعد يوم . هو الفعل الوحيد الناجز مقابل علاقات رأس المال والتى هى أصلاً علاقات قابلة للنقض كونها علاقات قائمة على الخوف الدائم من أى شىء ؛ الخوف من الناس والخوف من المستقبل والخوف من قوانين المنافسة أيضاً . بإختصار الخوف من كل شىء ومن أى شىء .
إنَّ تراكم رأس المال هو ضرورة من أجل تنمية الخيرات المادية . ولكن ما لم يقترن تراكم رأس المال بجند كجند قسمة الثروة فإنَّه لن يتحول إلا أداة تكتوى بها الأغلبية الساحقة من الناس وضمنهم التشكيليون بالطبع .
بالنظر إلى ورقة إشكالات التوثيق التشكيلى فى السودان (أميمة حسب الرسول) وورقة ملاحظات أولية حول صناعة الثقافة (د. حيدر إبراهيم) فإنَّ مركز المبادرة فى سبيل ملامسة الحلول الممكنة تجاه إشكالات النشر والتوثيق التشكيلى يظل هو العمل المؤسسى من خلال الإتحاد العام للفنانين التشكيليين السودانيين، باعتباره المؤسسة المركزية ضمن المؤسسات المناط بها رفع الوعى التوثيقى ورفع الوعى بضرورات النشر التشكيلى .
وعليه، فإنَّ ما بدأ من ملامح العمل المؤسسى داخل الإتحاد العام للفنانين التشكيليين السودانيين، خلال دورته الحالية (2001 ـ 2003)، هو أمر جدير بالنظر إليه بعين فاحصة لنقده وتطويره . ورغما عن عدم إستقرار اٌلإتحاد، المتمثل فى عد |