Sudan Artists Gallery | home
About us Artists Collection Articles Art news Contacts Site map Links
Arti

Arabic Articles

ملاحظات حول النقد التشكيلى

دراسة فى المنشور الصحفى

 

محمد عبد الرحمن (بوب)


مقــدمـة : -

 

تتعدد مجالات البحث في الفنون بتعدد العلوم الإنسـانية (فهناك علم نفس الفن وعلم إجتماع الفن ، وانتربولوجيا الفن، وتاريخ الفن) ونزيد عليها بالمباحث التأملية كعلم الجمال وفلسـفة الفـن ، وينضاف النقد إلى تلك المباحث مستفيداً منها ومؤثراً عليها . ولا يسعنا الإضطلاع بمهمة تطوير أحد هذه المباحث ما لم ندرك طبيعة الإرتباطات التي تقوم بينه وبين المباحث الأخرى المجاورة له . وذلك لأن نظام الترابط والتراتب القائم بين هذه المجالات البحثية قد يصبح مؤثراًعلى الدراسة إذا أردنا الإضطلاع ببحث مسألة معينة تنتمي إلى هذا المجال أو ذاك . فكثيراً ما تتداخل الأغراض وتلتبس أدوات البحث ولا يسعفنا فى فض الأشتباك إلا قدرتنا على إعادة ترسيم الحدود بين هذه المجالات على ضوء معرفتنا بخارطة ترابطاتها .

 

لقد جرى التمييز بين هذه المباحث على أساس الموضوع المراد دراسته، فكل مبحث يتناول وجهاً محدداً من أوجه الظاهرة الفنية . سواءً كان هذا الوجه يرتبط بالمجتمع، التاريخ ، الثقافة ، الجمهور المتلقي أوغير ذلك .

 

ومن وجهة نظر الدراسة الشاملة للفن يؤدي هذا النوع من تقسيم العمل إلى تحقيق بعض الأهداف الهامة ، منها :

 

( 1 ) إتاحة الفرصة لكل مبحث لإبتكار الأدوات التي تناسب أهدافه . فالأدوات المطلوبة لبحث علاقة فن معين بالثقافة التى تسود مجتمع منتجي ذلك الفن (مبحث انتربولوجيا الفن) تختلف عن تلك المطلوبة لدراسةعلاقة الفن - كنشاط إجتماعى - بالنظام الأجتماعى (علم إجتماع الفن) أو دراسته فى علاقته بالأبنية النفسية (علم نفس الفـن) .

 

( 2 ) يتيح هذا النوع من تقسيم العمل تنظيم علاقات الإنتظار بين مختلف المباحث . ففي العادة يكون تقدم البحث فى أحدها مرهوناً (أو قابلاً للتأثر) بتقدمها فى مبحث آخر، مما يعنى أنَّ أحدها قد يتأخر تقدم البحث فيه لأنَّ هناك تطورات معينة ينبغى إكتمالها فى مجال مجاور له . وهذا ما يعنى وجود علاقات إنتظار بين هذه المجالات . وقد إعتاد دارسو الفن القول بأن التطور فى علم اجتماع الفن وسايكلوجياه يفيد تطور النقد الفنى ، لكن من الصحيح أيضاً القول بأن تطور النقد يؤدي إلى تطورهما وتطور كل المباحث الأخرى التى تستخدم أدوات البحث الخاصة بالعلوم الأنسانية الأخرى . ويمكننا أن نلاحظ ذلك مثلاً فى مبحث تاريخ الفن ، حيث أن جهد التحليل الشكلى الذى يقوم به الناقد لتقسيم النتاج المتراكم فى الفن المعين إلى أنماط أسلوبية متمايزة ، يعتبر خطوة هامة تتيح لمن يبحث فى تاريخ الفن ان يدرك الفروق الاسلوبية ويتعرف التغيرات بما يساعده على نسبتها الى تغير الظروف والحقب التاريخية .

 

انطلاقاً من هذه المسلمة التى ترى ان وضع الدراسة النقدية فى موضع القلب من الدراسات التى تتناول الفن يساعد على انطلاق وتقدم هذه الدراسات . سنحاول فى الصفحات التالية بحث موقع النقد التشكيلى في مسيرة التنظير للممارسة التشكيلية السودانية الحديثة .

 

 

 

 

مدخل –

الملامح المميزة للفن التشكيلى الحديث : -

 

تتناول دراستنا هذه المعالم الهامة للافكار التى ترسبت عبر مسيرة الحركة التشكيلية الحديثة فى السودان ، والتى عادة ما يؤرخ لها ببداية تدريس الفن فى معهد بخت الرضا فى منتصف ثلاثينات القرن الماضى . ونميزهنا بين الفن التشكيلى، حديثه وقديمه، لأن فنوننا المحلية القديمة (قبل الصدام مع الأستعمار الأوروبى فى القرن التاسع عشر - بغض النظرعن التأثير الذى حدث قبل ذلك مع دخول الثقافة العربية الاسلامية) كانت تمارس ضمن سيادة التراث والثقافة المحلية، التى تعطى مكانة هامة للتقليد مثلما تعطي مكانة للأبداع . أماعقب الصدمة الاستعمارية ، فقد جرى استنبات نوع جديد من الفن التشكيلى يختلف كثيراً عن التشكيل الذى كان يمارس محلياً فى التشكيل الحديث (أو الحداثى : منسوباً الى فترة الحداثة الأوروبية التى حاول الأستعمار الأوروبى تعميم نتائجها الأجتماعية والسياسية والثقافية على العالم اللاأوروبى لتساعد فى تيسير عملية إلحاق هذا الجزء من العالم كهامش فى بنية نظام رأسمالى عالمى تسيطر عليه اوروبا) يكون التركيز فيه كله على مبدأى "الفردية" و"الأبداعية"، حيث ينظرللفردية كسمة للأسلوب تميز الفنان وتفصله عن الآخرين ، وينظر للابداعية كقدرة على الخلق تتيح للفرد الانعتاق من التقليد . فى الفن الحداثى يوضع "الفرد" مقابل "الجماعة"، و" الابداع" مقابل "التقليد"، بينما فى فنوننا المحلية لم تقم أى مواجهة بين الفردية والجماعية ، بين الأبداع والتقليد . وقد فهمت الحداثة العلاقة بين هذه المتقابلات على انها علاقة تناف مطلق . فالعمل الفنى لدى منظرى الحداثة كان هو العمل الذى يخلق قطيعة مطلقة مع ما يسبقه - أو حتى مع ما يمارس فى زمنه - من أعمال (كانت هذه النظرة قد بدأت تعلو مع صعود الرومانسية وتصاعدت الى أن تم التعبير عن ذلك بأقصى درجة من الوضوح مع ظهور الحركة الطليعيـة فى أواخر القرن التاسـع عشـر وبدايات العشـرين) . من الواضـح أن الربط بين"الفردية" و "الأبداعية" لم يكن نتاج الفلسفة الحداثية للفن فقط، بل أن جذوره تغوص عميقاً فى الطبيعة الفريدة للنظام الرأسمالى الحديث الذى يقوم على اساس التحالف بين رأس المال والتكنولوجيا . بينما يتوزع رأس المال على أساس الملكية "الفردية"، تنتج التكنولوجيا باستثمار"الخلق" والابتكار العلمى .

 

بما أن الفردية والأبداعية كانتا معيارين هامين فى اوروبا، بتأثير الواقع والسياق الثقافى، فان هذا يؤشر على المكانة الهامة التى احتلها النقد فى الساحة الفنية، حيث كان هو الأداة التى يتم بواسطتها الكشف عن مدى توفر أوغياب هاتين السمتين فى كل عمل فنى قبل أن يعطى مكانته بين الأعمال الأخرى . ولقد ارتبط تطور النقد فى أوروبا بتطور العلوم الانسانية (وقد اكتست الفلسفة جلها انذاك بطابع نقدى يتجه الى فهم وتحليل اليات النتاج العقلى منذ ان استهل كانط اللحظة الحداثية فلسفياً بفلسفته النقدية) التى صعدت ابان فترة الحداثة نفسها مما أدى الى تشكل حلقة من الحقول المعرفية التى تدرس الفن . كان هذا هو الوضع فى الدول التى شهدت ما سمى "بالحداثة" . أما فى دولنا المحلية فاننا نجد أنَّ ظهور الفنون الحديثة ومنها الفن التشكيلى، قد جاء معزولاً عن سياقه التاريخى والاجتماعى والتقافى، مفتقداً البنية التى ضمته فى منشئه .

 

ملاحظات تمهيدية عن جذور الأزمة المنهجية فى النقد التشكيلى السودانى : -

1) حينما بدأ تعليم الفنون التشكيلية لم يكن من أولويات المؤسسة التي اطلعت بتعليم هذا الفن نشر الثقافة النقدية – التي تتطلب درجة معقولة من الليبرالية والحرية الفكرية اللتان لم تتوفرا آنذاك - ولا حتى بعد ذلك والى الآن – بل كانت تهدف لخلق أفراد ذوي مهارة تقنية لتسيير بعض مهام مؤسسات الدولة . وقد كان من الطبيعي أن لا يهتم أوائل الفنانين بتعميق معرفتهم النظرية بالتشكيل إلا بالقدر الذي تتطلبه المهام المطروحة عليهم وهي : المهام العملية التي فرضها واقع الوظيفة (التدريس، الحرفة، التصميم) .

 

2) خلال الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضى لم يكن من المتاح الاشتغال بالمعارف النظرية التشكيلية الدقيقة التي تتطلب قدراً من التخصص بالظاهرة التشكيلية، لأن التراكم على مستوى النتاج التشكيلي لم يكن قد بلغ مرحلة تجعل النتاج التشكيلي ملاحظاً بالقدر الذي يطرح مهمة الدراسة والتحليل النقدى (لا يمكن ظهور الوعى النقدى قبل أن يصل تراكم الأعمال حداً يظهرها كوجه من أوجه النشاط الاجتماعي، فبلوغ درجة معقولة من التراكم هو مايجعل العقل والثقافة يستشعران ضرورة تحليل هذا النشاط كنشاط له دلالته) .

 

3) الضغط الذى مارسه مطلب تحقيق الاستقلال على الفنانين وعموم المثقفين آنذاك دفع بالعمل الفكرى لأعلاء مكانة السياسة على الثقافة، فى تلك الفترة التى كانت الجمعيات الأدبية تمارس فيها دوراً موجهاً للأفكار، كتب البعض آنذاك منادين بضرورة الاهتمام بالفنون والآداب كوسيلة لتحقيق الأغراض السياسية - الحصول على الأستقلال السياسى – بينما تبنى آخرون الدعوة لتطويرها كأداة للمعرفة وكمعرفة فى ذاتها . كتب أحدهم فى هذا المعنى الأخير على صفحات مجلة الفجرفى عام 1937 "ان محاضراتنا كلها من النوع الأجتماعى الذى تعلوه صفة السياسة، والسبب فى ذلك راجع الى أن المحاضرين حريصون على الظفر بالتصفيق الحاد ... لهذا جنح المحاضرون من الأدباء ْالى الرخيص من المواضيع التى لا تكلفهم شططاً فى البحث ولا مشقة فى التفكير" ويشير ذات الكاتب الى نوع من المحاضرات كان يقدم آنذاك يرى فيه الكاتب انه كان من النوع الذى يقوم على البحث والتفكير ويذكر كمثال له محاضرات على مدنى ومحمد عشرى الصديق عن الأدب، ومحاضرات ادوارد عطية عن الفن . يدلنا هذا على وجود تنظير للفن محدود الانتشار لأنه اقتصر على المحاضرات المقدمة فى الجمعيات الأدبية . ولم يكن الوضع فى بقية دول المنطقة القريبة من السودان والمحيطة به يختلف كثيراً ، بما انها عانت ظروفاً سياسية واقتصادية واجتماعية مشابهة لما جرى فيه .

 

فى الدول العربية لاحظ عدد من الكتاب ضآلة المعرفة النظرية التشكيلية حتى فترة منتصف القرن الماضي . شهد بذلك أكبر رواد حركة الحداثة العربية، يقول الفنان اللبناني شفيق عبود فى حوار معه " لم تكن هناك كتابات نقدية (فى فترة الخمسينيات) فى أي مطبوعة عربية، أن الفضل يعود للأجانب الذين حاولوا كأفراد إدارة حوار مع الفنانين العرب، ولقد كان العرب متعلقين بالحركات الفنية الحديثة دون أية معرفة مدققة أو معمقة عنها" .

 

أما بالنسـبة للمساهمات المحدودة التي تبنت طرحاً نظرياً مصاحباً لممارستها التشكيلية، فقد اكتفت بإعادة إنتاج ذات الأفكار والأطروحات التي أقرتها تجربة التشكيل الأوروبي ، ونلاحظ هذا فى تجربة الأخوين سـيف وأدهـم وانـلي فى مصر على سبيل المثال، حينما عملا على تقديم الأفكار السـريالية – فى سـياق تبنيهما للأسـلوب السـريالي على الصعيد العملي – على صفحات إحدى المجلات التي تبنت الدفاع عن المبادئ السـريالية .

 

بدايات الوعى النظرى التشكيلى الحديث : -

بعد عشر سنوات تقريباً من بداية تعليم الفنون التشكيلية فى بخت الرضا بدأ تدريسها فى كلية غردون، وجاء خريجوها يحملون الكثير من الاسئلة التى ستشكل بذور الوعى النظرى بالممارسة التشكيلية . لقد كانت سـنوات الخمسينات فترة تقاطع للعديد من المشاعر، كانت هناك مشاعر الحرص على تحقيق - ثم تأمين- الاستقلال الذي أضحى وشيكاً عقب انتهاء الحرب الأوربية الكبرى الثانية . وكانت جماعات المثقفين تحرص على استمرار تعبئة الشعور القومي، ومن هنا استقرت نزعات الاعتداد بالثقافة القومية، خاصة أن أوروبا قد أعيد تنظيم وحداتها السياسية عقب انتهاء الحرب الأوروبية الكبرى الثانية على أساس مبدأ "القوميات المتمايزة" مما دعا الشعوب المستعمرة لاستخدام القومية كأساس أو كذريعة للمطالبة بالاستقلال . ولأنه كان لابد من اصطناع هويات قومية فقد تنامي سؤال الملامح المميزة للثقافة القومية، لكنه لم يجد التعبير الأوضح إلا حينما خاض المثقفون والفنانون تجارباً شخصية عبر ارتحالهم إلى أوروبا ، حيث استشعروا مدى اختلاف الواقع والتراث اللذان نتج عنهما الفن الاوروبى الحديث، أو عبر ارتحالهم الى مناطق غير أوروبية لم يتمكن الاستعمار الأوروبي من محو الطابع الأصيل لثقافاتها، حدث هذا مع إبراهيم الصلحي عقب بعثته إلى أوروبا التى تبعتها زيارته للصين حيث تعرف الى فن تشكيلى مغاير لما هو أوروبى [1]. كما حدث مع تجربة " البعد الواحد " ممثلة فى شخص شاكر حسن، وبعده مع جماعة بغداد . مارس هؤلاء الفنانون نقداً محدوداً لكل من التجربة الأوروبية والتراث المحلي لأنهم قد اعتقدوا بإمكانية إحلال الثاني (كمضمون) فى وعاء الأول، لقد أخضعوا الرموز والعلامات التي استنبطوها من التراث التشكيلي المحلي لخبرة التنظيم التشكيلي المكتسبة من ممارسة الفن التشكيلي على أساس التقاليد الشكلية الأوروبية .

 

من جهة ثانية، كان هناك تيار القلقين من المثقفين وهم من لم يركنوا إلى ادعاء الثقافة الأوروبية المعاصرة – التي اعتبروها نتاج المجتمع الرأسمالي الأمبريالى – بأنها تمثل ثقافة مستقبل الإنسانية . كذلك لم تجز عليهم دعوات المنادين بالتمترس داخل الثقافات المحلية لأنهم أيضاًً لم يثقوا بقدرة البنى التقليدية – الاجتماعية والثقافية خصوصاً – على الاستجابة لمهام مرحلة ما بعد التحرر الوطني، وأدركوا تناقض مصالحها مع مهام تحديث المجتمع والدولة . تلون النزوع الأيديولوجي لهذه المجموعة باطلاعهم على تجارب النقد الأجتماعى والانسانى الذى مارسه مفكرو الغرب ضد الغرب الرأسمالى، خاصة الماركسية والوجودية، كما اطلعوا على نقد التاريخ الثقافي الأوروبي الذي اضطلعت به "الحركات الطليعية" في الفن، وقد ظهر تأثير هذه المجموعة الثانية فى السودان مع بداية السبعينات، أى بعد حوالى عقدين من الفترة التى لعبت فيها المجموعة الأولى دوراً مؤثراً . ولذلك فقد قاموا بنقد الأفكار التي استند إليها أولئك الذين سبقوهم .

 

يمثل هذا التيار التشكيلى كتاب السبعينيات الذين عرفوا بـ "الجماليين" (أو "الشبان التشكيليين") وعلى رأسهم : عبد الله أحمد البشير (بولا)، حسن محمد موسى، فتح الرحمن خيرالله باردوس، صلاح حسن عبد الله، وآخرون ساهموا فى تبنى وبلورة اطروحات هذه المجموعة، يمكننا أيضاً ان نضع قرب هذه المجموعة بعض الكتاب المقلين الذين كانوا يختلفون مع هؤلاء فى بعض الافكار، ويقاسمونهم البعض الآخر، وعلى رأس هؤلاء المرحوم اسامة عبد الرحيم .

 

بدأت فترة الستينات تحمل بذور الكتابات المنهجية، وظهرت محاولات رصد ملامح الحركة التشكيلية فى أواخر ذلك العقد، فى كتابات أحمد الزين صغيرون وأحمد الطيب زين العابدين، وفى ذات العقد تطورت الكتابات غير المنهجية التى كانت قد ظهرت قبل ذلك بقليل، والتى كانت تكتفي برصد أخبار المعارض أو تقديم نبذات تعريفية عن المدارس والفنانين الأوربيين، ثم ظهرت بعض نصوص النقد الانطباعي المختزل، كما يظهر فى بعض كتابات مبارك بلال وإبراهيم العوام (وبعض الأسماء التي لم يدم اهتمامها فيما بعد بالكتابة) . فى تلك السنوات كانت مجلة الإذاعة والتلفزيون والمسرح مساحة هامة تنامي فيها صوت الكتاب التشكيليين، كما حملت صفحاتها وغلافها الأخير الكثير من الأعمال التشكيلية للجمهور القارئ .

 

من " ما " الى " من " / انعطافات أسئلة الممارسة والتنظير النقديين : -

 

أ ) الممارسة النقدية : الانعطاف من سؤال العمل الفنى الى سؤال الفنان

 

مع بداية سبعينات القرن الماضي تزايد النشاط النظري إلى أن بلغ أوجه من حيث الكم والنوع فى الفترة من 74 – 1977، وهي الفترة التي تمايزت فيها معسكرات التنظير للممارسة من حيث المواقف الفكرية والجمالية . وظهرت فيها كلمة "النقد" لتصف المساهمات التي قدمت نفسها باعتبارها كذلك . مع ذلك نادراً ما نجد فى هذه الفترة مـن ارتضـى لنفسه مهمـة الناقـد المحترف وثابر على النقـد بأي منهـج كان ، ومن بين هؤلاء القلائل الذين ارتضوا لأنفسهم عمل الناقد نذكر مبـارك بلال الذي كتب أنه "الوحيد الذي قال أنه ناقد" . ورغم أنه يعتبر نفسه من الموهوبين فى الممارسة الفنية إلا أن إتقانه للكتابة أيضاً - كما يقول - ودرايته باللغات ، قد سـوغت له التحول إلى النقد، يقول " قررت بيني وبين نفسي أن أصبح معلماً للجيل فى عالم النقد " إلا أن عدم المنهجية وضعف الثقافة النقدية قد وسم مساهمات بلال بطابع شخصي متواضع، ويظهر لنا ذلك فى رده المكرس للتعقيب الذي نشره إبراهيم العوام على مقال سبق أن نشره بلال، يقول بلال مبرراً مسلكه النقدي الذي يتعرض للأشخاص فى معرض رده على انتقاد العوام لهذا المسلك "عمدت إلى الكتابة بهذا الأسلوب الذي يخيل للبعض أنه غير موضوعي علماً مني بأن الناس يحبون الشتائم . . . ولعل من خلال الشتائم تظهر الحقيقة، وإذا اختصم اللصان ظهر المسروق" [2] .

 

لقد كتب عدد من الكتاب بطريقة مشابهة ، تمزج نقد الأعمال بنقد السلوك الشخصي للفنان . صحيح أن من حق الناقد أن يتناول جوانب معينة من حياة الفنان، لكن هذا التناول يجب أن يوظف لإلقاء الضوء على الأعمال ذاتها ، أو لتفسير التحولات الأسلوبية التي طرأت على أعماله فى مراحل معينة، أو بحث التأثير الواقع عليه من جهة ما بحيث يكون ذلك التأثير مؤدياً لتحولات انتابت أعماله ذاتها . أما دراسـة سيرة حياة الفنان دون كبير عناية بفهم الكيفية التى تنعكس بها الأحداث والمؤثرات التي حوله فى أعماله، فيجعلها مجرد دراسة لسيرته الشخصية وليست دراسة لفنه . *

 

كتب عبد الله بولا سلسلة من المقالات تناول فيها سيرة بيكاسو . فى احدى هذه المقالات يطالب بولا بضرورة الفهم "العلمي والموضوعي للفن التشكيلي" [3]، وبينما يقول "كان بيكاسو سبباً ونتيجة لغياب الفهم العلمي والموضوعي لظاهرة الفن التشكيلي" فإننا لا نجد فى مقاله محاولة نظامية لفهم أعمال بيكاسو فهماً موضوعياً . لقد كرس بولا مقالاً من ثلاثة أجزاء لنقد السلوك العملي لبيكاسو، تجاه وطنه اثناء الحرب أو تجاه المرأة فى حياته الشخصية، وعندما تناول اعماله لم يتعرض لأيٍ منها بنقد موضوعي سوى عدة أسطر تعرض فيها للوحة جرنيكا ليتجاوزها مستنداً على رفض مبدأ الرمزية ومستنتجاً ضعف البناء الشكلي لأن للألوان والأشكال دلالات رمزية بالنسبة للفنان، والواقع أن رمزية الأشكال أو واقعيتها (أي وجود دلالة ذهنية للعلامات التشكيلية) لا يعني إنتفاء القيمة البصرية لها . فالأعمال التى انتجها فنانو المدارس الواقعية أو التعبيرية وكذلك الرمزية لم تكن خالية من الأنجازات المتقدمة على صعيد الشكل، كما أن الإنتاج الفني لبيكاسو كان واسع التنوع ففى أعماله التكعيبية كان البناء الشكلي هو جوهرها . ولا يمكن الجزم بأن اعماله تتغاضى عن القيم التشكيلية لمجرد اهتمامه بالقيم الرمزية للون أو الشكل .

 

ب) التنظير النقدى : الانعطاف من سؤال المنهج النقدى الى سؤال الناقد : -

 

مما ذكر اعلاه نستطيع ان نرى ان الأهتمام عند ممارسة النقد قد انصب على الفنان وليس على الاعمال الفنية، من ناحية أخرى نجد ان التنظير حول النقد قد سعى لاحلال السؤال الثانوى "من هو الناقد ؟" مكان السؤال الرئيسى "ما هو النقد ؟"، أى ان الاهتمام قد اتجه صوب تحديد مواصفات الناقد : المؤهلات والخبرات التى ينبغى ان تتوفر له , ولم يوجه صوب الحقل العلمى نفسه : موضوعه وأدواته . ويشكل التغاضى عن "ما" لصالح " من" سمة هامة للخطاب النقدى التشكيلى السبعينى .

 

تبنى خطاب الجماليين القول بأن النقد الحقيقى هو الذى ينتجه ناقد ممارس للتشكيل، ويوضح لنا أحد اللذين عارضوا هذا القول كيف يتم الانتقال من الاهتمام بالنقد الى الاهتمام بالناقد لدى بولا، كتب ابو سبيب "يرى بولا انه لكى تكون الملاحظة مبنية ومؤسسة على حقائق سليمة فلابد من المعرفة والالمام بالقانون الداخلى للظاهرة ... وان معرفة القانون الداخلى هذه لا تتم الا عن طريق الممارسة العملية للفن المعين" [4]. وقد عبر حسن موسى عن رأى مماثل لرأى بولا حينما كتب مدافعاً عن ضرورة الربط بين النقد وممارسة الفن معارضا ًوجهة نظر الذين يفصلون بين المعرفة النظرية بالفن وممارسته . يقول إنَّ هذا الفصل قد جعل "النقاد يقفون فى انتظار النهاية المفترضة لتجربة الفنان الجمالية اما بموته أو تحجره حتى يتسنى لهم الكتابة عنه بأطمئنان" [5]. لقد اعطى الكاتب التشكيلى صلاح حسن عبد الله هذه المناظرة التى دارت فى السبعينات اسماً ذا دلالة هو "تنحية الناقد المحترف" ويعطينا التعريف التالى للناقد الذى استهدف بالتنحية "الناقد المعنى بصفة الإحتراف هو الناقد الذى يمارس النقد ولا يمارس العمل التشكيلى" [6]. ويضيف "الناقد المرشح للعمل فى مجال التشكيل هو الناقد الذى يمسك بطرفى المعادلة، أى يمارس الرسم ويمارس حق ابداء وجهة نظره حول العمل التشكيلى فى ذات الوقت" ويستدرك قائلاً "الا أنَّ ذلك لم يكن ينطوى على موقف مضاد للمداخلات المحتملة من قبل أطراف آخرى من خارج دائرة التشكيليين الممارسين" [7] .

 

يشرح صلاح حسن دوافع تبنى فكرة الربط بين النقد والممارسة بأنَّها "كانت تهدف لأن ينتزع التشكيليون حقهم فى ممارسة النقد التشكيلى، على غرار الأرض لمن يفلحها، كما يقول عبد الله بولا"، لكن من الواضح أنَّ جعل الممارسة الفنية شرطاً لممارسة النقد لا يعطى الفنان حق ممارسة النقد (فالفنان لن يستطيع ممارسة النقد بخبرته الفنية فقط، ولابد له من الالمام بأدوات معرفية لا تستمد الا من مباحث النقد والفلسفة والعلوم الانسانية) لكنه يكفى لأن ينزع عن الناقد غير التشكيلى حق ممارسة النقد .

 

مع أنَّ المطلب المطروح آنذاك (التوصل إلى نقد موضوعى) كان يتطلب بالتحديد نقاداً محترفين، لأنَّ الأشكالية كانت هى إشكالية غياب المنهج المنطلق من العمل نفسه - من الشكل باتجاه الدلالة والسياق - وإشكالية المنهج هى فى المقام الأول اشكالية تتعلق بالمفاهيم (أى الأدوات العقلية، والبناءات التجريدية المستخدمة للوصف والتحليل) ولاصلة لها بالقدرة على التعبير البصرى، أى "ممارسة التشكيل" الذى ربط بالنقد بشكل متعسف من قبل الجماليين .

 

من الحلم الى الواقع : المسار المنكسر للخطاب السبعينى : -

 

أ) الحلم المشترك للتنظير السبعينى : النقد الموضوعى

 

لم يكن بولا ورفاقه من الجماليين وحدهم الذين يطالبون بفهم موضوعى للتشكيل، لقد بدأ يسود تلك الحقبة الشعور بضرورة تجاوز الإنطباعات التي يثيرها فينا العمل، أو الإسـقاطات الذاتية التي تصدر تلقائياً عن الناقد، إلى نوع من البحث المنهجي، والدرس الموضوعي للنتاج التشكيلي . وقد عبر الكثيرون عن الحاجة إلى نقد علمى . من هؤلاء أحمد عبد العال الذى طالب بنقد يتميز "بقوة الفكر، ودقة المقاييس، وأمانة التناول التى هى موضوع أخلاق" [8] . وقد أكد آخرون على أهمية التزام الناقد بأخلاقيات الحرفة لتجنب الإنحراف عن الموضوعية تحت ضغوط الميول والنزعات الذاتية . كتب بشرى أحمد اسماعيل أيضاً "أنَّ اولى ملامح الأزمة التشكيلية تتجلى فى غياب حركة النقد الفنى المرتكزة على أسس سليمة معافاة من الغرض والتعصب المذهبى المتعنت" . وقد كتب حامد الباشا فى ذات السياق معترضاً على النقد الذى يمارسه بولا لإفتقاده سمتين هامتين كما يقول هما : أنَّ "النقد الفنى يتناول كل جوانب العمل الفنى حسنها وقبيحها، وأنَّ النقد الفنى دراسة علمية، وعلى الناقد أن يبتعد عن الحساسيات والسب" [9] .

 

أول من نجد لديه تصنيفاً لنصوص السبعينات باعتبارها نقداً هو بولا نفسه، فقد قسم المساهمات التي يجادل ضـدها إلى : نقد سـلفي، و (نقد إس